ريادة المالية والمصرفية الإسلامية عالمياً

إن الشريعة هي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ويتجلى ذلك في مجال المعاملات المالية، حيث خلال أكثر من نصف قرن حجزت هذه المالية موطأ قدم على خارطة القطاعات المالية الأسرع نمواً وانتشاراً على مستوى الاقتصاد العالمي المعاصر، لم تعد هذه الصناعة مجرد بديل محلي أو تقليدي، بل أصبحت ركناً أساسياً من أركان النظام المالي الدولي، حيث جذبت اهتمام المؤسسات المالية الكبرى، والشركات، والمستثمرين من مختلف الخلفيات الثقافية والدينية، يرتكز هذا النظام على منظومة قيمية وأخلاقية مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية السمحة، والتي تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتوزيع الثروة بشكل عادل، وربط التمويل بالنشاط الاقتصادي الحقيقي.
أولاً: الجذور التاريخية ومراحل التطور العالمي
بدأت مسيرة الصيرفة الإسلامية الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً مع تجربة “ميت غمر” في جمهورية مصر العربية عام 1963، تلتها بعد ذلك مسيرة تأسيس البنوك الإسلامية الكبرى في سبعينيات القرن الماضي، مثل دبي الإسلامي وبصلة ترابطية مع إنشاء البنك الإسلامي للتنمية.
شهدت العقود التالية طفرة نوعية انتقلت فيها هذه الصناعة من النطاق الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الأسواق المالية العالمية، ولجأت عواصم مالية كبرى مثل لندن، وكوالالمبور، وسنغافورة إلى تعديل تشريعاتها لاستيعاب المنتجات المالية الإسلامية، وعلى رأسها الصكوك الإسلامية. وقد ساهمت الأزمات المالية العالمية المتعاقبة في لفت انتباه الخبراء الاقتصاديين إلى استقرار النموذج الإسلامي وقدرته على امتصاص الصدمات، نظراً لارتباطه المباشر بالأصول العينية وابتعاده عن المخاطر المفرطة.
ثانياً: الخصائص الجوهرية وطبيعة المعاملات
تتميز المالية الإسلامية بخصائص فريدة تفرقها جذرياً عن النظام المالي التقليدي، وأبرزها:
- حظر الربا (الفائدة): تُعد حرمة الفائدة بجميع أشكالها (القرض بفائدة) حجر الأساس في النظام، حيث لا يُنظر إلى المال على أنه سلعة تُباع وتُشترى لذاتها، بل هو وسيلة تبادل.
- تحريم الغرر: تُمنع العقود التي تحتوي على جهالة مفرطة أو غش أو قمار، مما يضمن الشفافية والوضوح التام في كافة العقود والمعاملات.
- قاعدة الغُنم بالغُرم: لا ربح بدون خطر أو جهد حقيقي؛ فالمستثمر يتحمل تبعة الربح والخسارة بناءً على مشاركته الفعالة في الأصول.
- الارتباط بالنشاط الاقتصادي الحقيقي: يرفض النظام المالي الإسلامي التمويل الوهمي أو خلق النقود من العدم بمعزل عن الاقتصاد العيني، مما يحد من فقاعات الأسواق المالية.
تعتمد طبيعة العقود في هذا النظام على هياكل وصيغ تمويلية مبتكرة مثل: المشاركة، والمضاربة، والمرابحة، والإجارة، والاستصناع، والسلم.
ثالثاً: الأبعاد القانونية وتكاملها مع القوانين الوضعية
تواجه الصناعة المالية الإسلامية تحدياً فريداً يتمثل في ضرورة التوافق المزدوج؛ فهي ملزمة من جهة بالامتثال لأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها (وفقاً لفتاوى وقرارات الهيئات الشرعية، والمعايير الشرعية والمحاسبية)، وملزمة من جهة أخرى بالخضوع للقوانين الوضعية والتشريعات المحلية في الدول التي تعمل فيها.
هذا الازدواج يفرض على المؤسسات المالية الإسلامية صياغة عقودها بدقة متناهية لضمان صحتها شرعاً وقانوناً. فعلى سبيل المثال، عقود البيع والإجارة في المصارف الإسلامية تتطلب تكييفاً قانونياً يحمي حقوق الملكية، وينظم نقل الحيازات والمسؤوليات القانونية تماماً كما تتطلبها النظم المدنية والتجارية المعمول بها دولياً.
وقد قامت العديد من الدول بتعديل قوانينها المصرفية والضريبية (مثل تعديل قوانين ضريبة القيمة المضافة لرفع ازدواجية الضرائب على صفقات المرابحة والإجارة) لتسهيل عمل المؤسسات المالية الإسلامية وتوفير بيئة تشريعية حاضنة ومستقرة لها.
رابعاً: آليات تسوية النزاعات في عقود التمويل الإسلامي
نظراً لطبيعة العقود الإسلامية المركبة، قد تنشأ نزاعات تفسيرية أو تعاقدية تحتاج إلى أطر متخصصة لتسويتها. وغالباً ما تواجه المحاكم التقليدية تحديات في فهم الأحكام الفقهية الخاصة بالمعاملات الإسلامية. من هنا برزت الحاجة الملحة لتطوير آليات بديلة لتسوية النزاعات (ADR)، مثل الوساطة والتحكيم.
تعتمد مؤسسات دولية كبرى، مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) ومجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB)، إلى جانب مراكز التحكيم المتخصصة (مثل الإسلامي الدولي للصلح والتحكيم بدبي ومراكز أسيان للتحكيم في ماليزيا)، على وضع معايير قانونية ومؤسسية موحدة لتسوية النزاعات. تضمن هذه المراكز إسناد القضايا إلى خبراء ومحكمين يجمعون بين الإلمام التام بالقانون الوضعي والإحاطة العميقة بفقه المعاملات المالية الإسلامية، مما يعزز الثقة القضائية ويحمي حقوق الأطراف المتعاقدة.
خامساً: ضرورة تأهيل الكوادر البشرية: جسر الوصل بين الفقه والقانون
لا يمكن الحديث عن استدامة المالية الإسلامية وتطورها دون الالتفات إلى العنصر البشري الذي يُعد المحرك الأساسي لعملياتها؛ إذ تبرز حاجة ملحة لجيل جديد من المهنيين المتخصصين الذين يمتلكون “ازدواجية المعرفة”. إن حل النزاعات الناشئة عن عقود التمويل الإسلامي يتطلب خبرات نوعية تتجاوز مجرد المعرفة العامة بالعلوم الشرعية أو القوانين الوضعية؛ فهي تتطلب كفاءات قادرة على فهم فلسفة العقود الإسلامية ومقاصدها (المعقود عليه، شروط الصحة والفساد في البيوع)، مع الإلمام التام بقواعد القانون التجاري، وقوانين الإثبات، والمبادئ القانونية الدولية.
فالصناعة المالية الإسلامية، التي تعاظم دورها واطرد، وتميَّزت عقودها ومنتجاتها بطبيعة خاصة معقدة ومركبة، تجمع بين الشريعة والقانون والمحاسبة، وكونها تعمل في بيئة تشريعية، غير مواتية (وضعية)، مما جعلها تواجه العديد من التحديات المتعلقة بالإلتزام بأحكام الشريعة والحوكمة وإدارة المخاطر.
لذلك تعترض العاملين في هذا المجال من (مصرفيين وخبراء وقانونيين) مسائل شرعية وقانونية تؤثر على هذه العقود، وإن من أهم التحديات التي تواجه المالية الإسلامية، هو تسوية نزاعاتها، فبينما أنها تقوم على مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، إلا أنها تتقاضى أمام المحاكم وفق القوانين الوضعية، لذلك ينبغي اعتماد (التحكيم الإسلامي) الذي يطبق مبادئ الشريعة الإسلامية في تسوية النزاعات، لتتوافق جميع أنشطتها مع متطلبات الشريعة الإسلامية، فتعاظم دور المالية الاسلامية رافقه كثرة النزاعات، الذي أظهر الحاجة لتأهيل كوادر مؤهلة لسد الفراغ في مجال فض نزاعات المعاملات المالية الإسلامية، وفق أحكام الشريعة الإسلامية وبالسرعة والمهنية المطلوبتين، وفق أسس مهنية متطورة.
خاتمة
تمثل المالية والصيرفة الإسلامية نموذجاً اقتصادياً واعداً يثبت يوماً بعد يوم قدرته على تقديم حلول مستدامة للأزمات المالية العالمية. ومع استمرار تطورها وانتشارها، تبقى الحاجة ملحة لتعزيز التكامل بين المعايير الشرعية والتشريعات الوضعية، وتطوير آليات مرنة وفعالة لتسوية النزاعات، لضمان استدامة هذه الصناعة ونموها في بيئة قانونية ومصرفية آمنة وموثوقة.
د. عبد الحنان محمد العيسى – دار المحاماة





