اقتصاد

أزمة مضيق هرمز ترسم خريطة جديدة لوقود الشحن البحري

لم تعد أزمة الشرق الأوسط مجرد صدمة في أسواق النفط، بل تحولت إلى نقطة تحول استراتيجية في مسار تحول الطاقة بقطاع الشحن البحري، حيث إن هذا التحول يضع وقود السفن البديل في دائرة الضوء، ليس فقط كخيار بيئي، بل كضرورة تشغيلية لضمان استمرارية التجارة العالمية.

يقول تقرير لشركة ريستاد انرجي لتحليلات الطاقة، إن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وتعطل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز أدى إلى إدخال متغير جديد في معادلة تحول الطاقة في قطاع الشحن البحري، يتمثل في احتمال عدم توافر وقود السفن التقليدي نتيجة توجيه الإمدادات لتلبية أولويات محلية، «هذا الواقع يغير بشكل جذري الإطار التحليلي للشحن النظيف، الذي كان حتى وقت قريب قائماً على اعتبارات الامتثال البيئي فقط».

أمن الطاقة يدخل معادلة التحول في الشحن

وأضاف التقرير، أن الاستثمار في الوقود البديل لقطاع الشحن البحري كان مدفوعاً بأطر تنظيمية مثل أهداف الحياد الصفري للمنظمة البحرية الدولية ولوائح الاتحاد الأوروبي، مع بقاء أمن الطاقة في الخلفية، «إلا أن أزمة هرمز دفعت هذا العامل إلى الواجهة، ما يخلق مبرراً استثمارياً أكثر استدامة لا يعتمد على استقرار السياسات التنظيمية، حيث على المدى القصير، كان تأثير الأزمة حاداً لكنه غير متوازن. فقد ارتفعت أسعار وقود السفن منخفض الكبريت في مراكز رئيسية مثل سنغافورة، نتيجة إعادة تسعير مخاطر الإمدادات وليس بسبب نقص فعلي».

تحركات الأسعار تعكس إعادة تسعير المخاطر

وبلغ متوسط تكاليف الوقود البحري في روتردام 18.3 دولار لكل غيغاجول للغاز الطبيعي المسال، و19 دولاراً غيغاجول لزيت الغاز البحري بنسبة كبريت 0.1%، و22.8 دولار لكل غيغاجول لمزيج B30 الحيوي بواقع 30% استر ميثيل زيت الطهي المستعمل في التجارة داخل الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من يناير وحتى نوفمبر 2025، وفقاً لحاسبة تكاليف الوقود البحري لدى بلاتس التابعة لستاندرد آند بورز.

وتتوقع جمعية التصنيف DNV أن ينمو الطلب على الغاز الطبيعي المسال من قطاع الشحن من 906 بيتاجول في 2024 إلى 1,032 بيتاجول في 2025 و1,196 بيتاجول في 2026، وتتزود السفن بالغاز الطبيعي المسال عن طريق 3 طرق رئيسية وهي إما من شاحنة أو خط أنابيب أو من سفينة للغاز المسال.

توقعات أسعار الوقود تحت ضغط الاضطراب

وتتوقع ريستاد، وصول أسعار زيت الغاز البحري منخفض الكبريت إلى مستويات تتجاوز 1200 دولار للطن قبل أن تبدأ بالتراجع التدريجي، مع تأخر عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية حتى منتصف العام المقبل، «حيث إن هذا الاضطراب السعري كشف عن مخاوف أعمق في السوق، إذ لم يعد من الممكن افتراض استقرار إمدادات الوقود التقليدي، وهو ما يعزز الحاجة إلى بدائل أكثر مرونة».

وتشير دراسة للمجلس الدولي للنقل النظيف إلى أن السفن التي تستخدم الغاز الطبيعي المسال ينبعث منها ثاني أكسيد الكربون أقل بنسبة 25 في المئة تقريباً مقارنة بالوقود البحري التقليدي.

وتضيف أنه رغم ذلك فإن الغاز الطبيعي المسال يتكون في معظمه من غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة القوية التي تحبس الحرارة في الغلاف الجوي.

وترى شركة تحليلات الطاقة، أن انعكاسات الأزمة على أنواع الوقود البديل تختلف، «فالديزل الحيوي يواجه منافسة متزايدة على المواد الأولية، بينما يحتفظ الغاز الطبيعي المسال الحيوي بجاذبية اقتصادية محدودة النطاق بسبب قيود البنية التحتية، في المقابل، يبرز الميثانول الحيوي كخيار أكثر قوة مدعوماً بالقدرات الصناعية الصينية، رغم استمرار تحديات الإمداد، أما الميثانول الإلكتروني، فيتمتع بميزة توافق المحركات، لكنه لا يزال يعاني من ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يحد من انتشاره على المدى القريب».

سباق الوقود البديل يتسارع ويكشف حدود كل خيار

وتقول ريستاد، إن الإيثانول يظهر كخيار عملي في بعض المسارات خارج نطاق التنظيمات الأوروبية، لكنه يظل محدود الاستخدام، في حين تبقى الأمونيا خياراً طويل الأجل يتطلب استثمارات ضخمة ودعماً سياسياً لا يمكن تعويضه بدوافع أمن الطاقة وحدها، «إذ تشير التجارب التاريخية إلى أن صدمات الطاقة غالباً ما تؤدي إلى تغييرات هيكلية دائمة، وليس مجرد ارتفاعات مؤقتة في الأسعار، وقد تمثل أزمة هرمز نقطة تسريع لاعتماد الوقود البديل، خصوصاً أن هذه التقنيات أصبحت متاحة تجارياً بدرجة أكبر مقارنة بالماضي».

وبالنسبة لمالكي السفن، لم يعد أمن الطاقة عاملاً ثانوياً، بل أصبح محورياً في قرارات التشغيل، إذ تقول شركة تحليلات الطاقة، إن التخطيط للرحلات، واختيار الوقود، واستراتيجيات التزود به، باتت جميعها تعتمد على مزيج من اعتبارات التكلفة والموثوقية، «ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع، إذ تختلف الخيارات بحسب نوع السفينة ومسار التجارة، فالشركات التي تبادر بتأمين سلاسل إمداد وقود متنوعة ومرنة ستكون الأقدر على مواجهة الصدمات المستقبلية، والاستفادة من ميزة تنافسية متزايدة في سوق أصبح فيها أمن الطاقة عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن الاستدامة البيئية».

(CNN الاقتصادية)

زر الذهاب إلى الأعلى