الأخبارالشيخه سهيله فهد الصباحالأخبار الرئيسية

حقوق الطفل ليست شأنًا عائليًا: حين يصبح الصمت عن التعنيف إخلالًا بالحماية

بقلم: الشيخة سهيلة فهد الصباح

حين يتعرض طفل للأذى داخل أسرته، قد يقال إن ما يحدث «مسألة عائلية». لكن سلامة الطفل وكرامته ليستا شأنًا خاصًا يُغلق عليه الباب؛ فالقانون يحمي الطفل، والمجتمع مسؤول عن الانتباه إلى ما قد يهدد أمنه ونموه.

في الكويت، يكفل قانون حقوق الطفل رقم 21 لسنة 2015 للطفل الحماية من العنف والضرر والإساءة الجسدية أو المعنوية أو الجنسية، ومن الإهمال وسوء المعاملة والاستغلال. كما يجعل مصلحة الطفل وحمايته أولوية في القرارات والإجراءات المتعلقة به. وبذلك، فإن حماية الطفل ليست مجرد دعوة أخلاقية، بل حق أقرّه القانون ومسؤولية تقع على عاتق الأسرة والمجتمع والجهات المختصة.

ولا يقتصر التعنيف على الضرب. فقد يكون تهديدًا متكررًا، أو إهانةً تحطم ثقة الطفل بنفسه، أو تخويفًا يجعله يعيش مترقبًا للعقاب، أو إهمالًا يحرم الطفل من الرعاية والاهتمام. وقد لا تظهر هذه الأشكال على جسده، لكنها قد تترك آثارًا في نفسيته وشعوره بالأمان وقدرته على التعلم والتواصل.

والقانون يراعي حق القائم على رعاية الطفل في التأديب البسيط غير المؤذي، لكنه يحظر تعريض الطفل عمدًا لإيذاء بدني أو نفسي أو عاطفي ضار، أو لممارسة ضارة أو غير مشروعة. وهنا يجب التمييز بين التوجيه الذي يعلّم الطفل ويحفظ كرامته، وبين العنف الذي يجرحه أو يخيفه. فالغضب والضغط لا يمنحان أحدًا مبررًا لإيذاء طفل، كما أن وصف الإيذاء بأنه «تربية» لا يغيّر أثره ولا يلغي حق الطفل في الحماية.

ويعدّ القانون الطفل معرضًا للخطر إذا تعرض للأذى الجسدي أو النفسي أو العاطفي أو الجنسي، أو للإهمال، أو إذا كانت ظروف تربيته في الأسرة أو المدرسة أو مؤسسات الرعاية تهدد سلامة تنشئته. كما نص على إنشاء مراكز لحماية الطفولة تتلقى الشكاوى المتعلقة بتعرض الطفل للخطر، وتعمل على اتخاذ ما يلزم لحمايته ومعالجة آثار الأذى.

ومع ذلك، قد يعجز الطفل عن طلب المساعدة. ربما يخاف من العقاب، أو يظن أن أحدًا لن يصدقه، أو لا يملك الكلمات التي يصف بها ما يحدث. لذلك تقع على الكبار مسؤولية الإصغاء والانتباه؛ فالانطواء المفاجئ، والخوف غير المعتاد، واضطراب النوم، أو تراجع التحصيل الدراسي قد تكون إشارات تستحق السؤال والاهتمام. ولا تكفي هذه العلامات وحدها للحكم على ما جرى، لكنها تستدعي التعامل معها بجدية، بعيدًا عن اللوم والتجاهل.

وهنا يبرز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع. على الأسرة أن توفر للطفل مساحة آمنة يتحدث فيها من دون خوف، وعلى المدرسة أن تتعامل بمسؤولية مع أي مؤشرات مقلقة، وعلى كل من يعلم بوجود خطر على طفل أن يسعى إلى إيصال الأمر للجهات المختصة، لا أن يكتفي بتداوله أو يتعامل معه كأنه أمر لا يعنيه. فالتبليغ المسؤول قد يكون الخطوة التي تمنع استمرار الأذى، مع ضرورة حفظ خصوصية الطفل وعدم نشر اسمه أو صورته أو تفاصيل تكشف هويته.

كما تحتاج الأسر إلى التوعية والمساندة، خصوصًا حين تواجه ضغوطًا تجعل التعامل مع الأبناء أكثر صعوبة. طلب المشورة ليس ضعفًا، بل تصرف مسؤول يساعد على حماية الطفل والأسرة. لكن الضغوط، مهما اشتدت، لا تبرر إيذاء الطفل أو الانتقاص من كرامته؛ فالكبار مسؤولون عن ضبط سلوكهم وطلب الدعم قبل أن يتحول الغضب إلى أذى.

إن حقوق الطفل لا تفقد قيمتها داخل المنزل، ولا تتوقف عند باب الأسرة. والطفل الذي لا يستطيع حماية نفسه يحتاج إلى بالغين يلاحظون ويسمعون ويتصرفون بمسؤولية. فحمايته ليست تدخلًا في شؤون الأسرة، بل حماية لحق أصيل كفله القانون.

لا حصانة للعنف باسم التربية، ولا مبرر للصمت حين يكون الطفل معرضًا للخطر. فلنصغِ إليه قبل أن يصمت، ولنحمه قبل أن تتفاقم معاناته؛ فحقوق الطفل مسؤولية قانونية وإنسانية، وكرامته ليست شأنًا عائليًا قابلًا للتجاهل.

زر الذهاب إلى الأعلى