الأخبارالشيخه سهيله فهد الصباح

الذكاء الاصطناعي والصحافة: شراكة ضرورية أم تهديد وجودي

بقلم/ الشيخة سهيلة فهد الصباح

في خضم التسارع التكنولوجي الذي يعيد تشكيل العالم بوتيرة غير مسبوقة، تقف الصحافة عند مفترق طرق حاسم، يختلط فيه القلق بالأمل، وتتشابك فيه الأسئلة الوجودية بالممكنات الجديدة. ولم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي ترفاً فكرياً أو نقاشاً مستقبلياً مؤجلاً، بل بات واقعاً يومياً يطرق أبواب غرف الأخبار، ويعيد طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام أفول الصحافة كما عرفناها، أم أمام ولادة دور أكثر تعقيداً وعمقاً للصحفي في زمن تتكاثر فيه المعلومات وتتناقص فيه الحقيقة؟

ولقد كشفت التحولات الرقمية، التي تسارعت بشكل لافت بعد جائحة كورونا، هشاشة كثير من النماذج الإعلامية التي راهنت على السرعة والانتشار بوصفهما بديلاً عن التحليل والمعرفة.

واندفعت مؤسسات عريقة إلى تقليص كوادرها، وأغلقت أقساماً كاملة، مستبدلة الخبر المتعمق بمحتوى خاطف يُقاس نجاحه بعدد النقرات لا بمدى تأثيره في الوعي العام. غير أن الأزمات الكبرى، من الحروب المعقدة إلى الاستحقاقات السياسية المصيرية، سرعان ما عرّت هذا النموذج، إذ وجدت تلك المنصات نفسها عاجزة عن تفسير ما يجري، فاضطرت للعودة إلى الصحفيين المخضرمين والخبراء القادرين على قراءة ما بين السطور وربط الحدث بسياقه التاريخي والاجتماعي.

وهذه العودة لم تكن صدفة، بل تأكيداً لحقيقة راسخة طالما تجاهلها البعض: أن القصص التي تعيش طويلاً في ذاكرة القراء هي تلك المتصلة بحياتهم وهمومهم، المكتوبة بوعي ومعرفة وبحث جاد، لا تلك التي تولد وتموت في زحام التدفق الرقمي. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لم تنجح بعد في تعويض الحس الإنساني القادر على التقاط التفاصيل الخفية وفهم تناقضات الواقع.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح العمل الصحفي من الداخل. وظائف كانت تُعد ركائز أساسية في غرف الأخبار، كالتدقيق اللغوي والترجمة وصياغة الأخبار القصيرة، باتت مهددة بالتلاشي أمام أدوات تنجز هذه المهام في لحظات وبكلفة شبه معدومة. إلا أن هذا التحول لا يعني نهاية الصحفي، بقدر ما يعني نهاية الصحفي الذي يكتفي بتسليم المادة الخام للآلة. فالقيمة اليوم تنتقل إلى من يفهم منطق الخوارزميات، ويجيد توجيهها، ويعي تحيزات البيانات وحدودها. وهكذا تتحول غرف الأخبار تدريجياً إلى فضاءات لمراقبة الإنتاج الآلي، حيث يصبح الصحفي أشبه بمفتش خوارزمي لا يراجع النص فحسب، بل يراجع مسار توليده ومعاييره الخفية.

غير أن التحدي الأخطر لا يكمن في فقدان الوظائف، بل في اهتزاز المصداقية ذاتها. فمع تطور تقنيات التزييف العميق، باتت الصورة، التي كانت يوماً دليلاً دامغاً، موضع شك دائم. فمقاطع مفبركة تسللت إلى تغطيات صراعات دولية، وأربكت الجمهور والمؤسسات على حد سواء، حتى صار التحقق مهمة يومية شاقة، لا ترفاً مهنياً. ويزداد المشهد تعقيداً مع خوارزميات المنصات ومحركات البحث التي تحاصر الأفراد داخل فقاعات معلوماتية، تعيد إنتاج قناعاتهم وتغلق عليهم نوافذ الرأي الآخر. وفي المكان ذاته، واللحظة نفسها، قد يرى شخصان واقعين مختلفين تماماً، لأن الخوارزمية قررت ذلك بناءً على تاريخ التصفح والميول المسبقة.

ومع هذا التفتت، لم يعد الحدث وحدة متكاملة، بل شظايا متناثرة تُستهلك بمعزل عن جذورها. وأجيال جديدة من الصحفيين تنجذب إلى البيانات السريعة والنتائج الفورية، على حساب الذاكرة الصحفية المتراكمة، ما يخلق فجوة سردية خطيرة تُفرغ القصة من عمقها، وتحول الصحافة إلى تسجيل آني بلا روح تفسيرية.
وتتفاقم هذه الإشكالات في ظل فراغ تشريعي وأخلاقي واضح. ففي الوقت الذي سارعت فيه دول متقدمة إلى تطويع الذكاء الاصطناعي ضمن أطر قانونية صارمة، تحمي الملكية الفكرية وتفرض الشفافية وتدمج هذه التقنيات في التعليم والإعلام بوعي، ولا يزال المشهد العربي متردداً، يتأرجح بين الخوف والتجاهل. غياب القواعد الواضحة يفتح الباب أمام فوضى استخدام، ويضعف حماية الصحفي والمؤلف، ويجعل المؤسسات عرضة لاستنساخ محتواها دون مساءلة.

وأمام هذا الواقع، تتعدد السيناريوهات، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً أن المستقبل لن يكون أبيض أو أسود. فإما شراكة واعية يتقاسم فيها الإنسان والآلة الأدوار، حيث يتولى الصحفي صياغة السياق والمعنى، وتتكفل الخوارزمية بالمعالجة والدعم التقني، فتتحسن الجودة ويُختصر الزمن. أو انجراف نحو محتوى آلي مكرر، يفقد الصحافة دورها الرقابي والاستقصائي، ويذيب التنوع الثقافي في قالب نمطي واحد. أو، وهو الأخطر، انقسام معرفي حاد، تنشأ فيه نخبة قادرة على إنتاج المعرفة العميقة، في مقابل جمهور واسع يُغذّى بمحتوى سطحي موجّه، ما يعمّق الفجوات داخل المجتمع.

ووسط كل هذه التحولات، يظل الصحفي الإنسان هو خط الدفاع الأخير عن المعنى والحقيقة. فوفرة المعلومات لا تعني وفرة المعرفة، بل قد تعني العكس تماماً. وتجارب الواقع تثبت أن القصص التي تُحدث فرقاً حقيقياً ما زالت تُكتب بأقلام تفهم السياق، وتدرك تعقيدات السياسة والمجتمع والثقافة، وتملك شجاعة السؤال قبل سرعة النشر.
إن الذكاء الاصطناعي ليس عدواً بطبيعته، لكنه أداة بالغة القوة، إما أن تُدار بحوكمة رشيدة فترفع كفاءة الإعلام وتفتح آفاقاً سردية جديدة، أو تُترك بلا ضوابط فتلتهم المصداقية وتفرغ المعرفة من معناها. وهنا تتقاطع مسؤوليات المشرّعين والأكاديميين والمؤسسات الإعلامية، في صياغة عقد جديد يضع الإنسان في القلب، والتكنولوجيا في موقع الخدمة لا السيطرة.


وفي المحصلة، لم تتغير جوهر الصحافة كما يُخيّل للبعض، بل تغيرت أدواتها وساحات اشتغالها. المستقبل لا يُبنى على صراع بين الإنسان والآلة، بل على شراكة ذكية تعترف بحدود كل طرف. وعند هذا المفترق، سيتحدد ما إذا كان الإعلام مقبلاً على نهضة رقمية حقيقية، أم على عصر من الضجيج الواسع والمحتوى المعلّب، الخالي من الروح والعمق والمصداقية التي لطالما منحت الصحافة معناها ودورها.

زر الذهاب إلى الأعلى