الديوانية الكويتية تنضم رسميًا إلى قائمة التراث غير المادي لليونسكو
تتويجٌ لثلاثة قرون من الحضور الاجتماعي
اعترافًا عالميًا بمؤسسة اجتماعية

بقلم الشيخة/ سهيلة فهد الصباح
انضمت الديوانية الكويتية رسميًا إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، في خطوة تاريخية تُجسّد عمق هذه المؤسسة الاجتماعية العريقة وتُبرز دورها المحوري في تشكيل الهوية الكويتية والخليجية على مدى أكثر من ثلاثة قرون. ولا يقتصر هذا الاعتراف الدولي على الاحتفاء بحدث اجتماعي تقليدي، بل يكرّم منظومة ثقافية حيّة نجحت في الحفاظ على جوهرها رغم تحولات الزمن وتبدّل أنماط الحياة. وتعود جذور الديوانية إلى بدايات المجتمع الكويتي، حين فرضت طبيعة العمران في المدينة القديمة -مدينه الكويت – ببيوتها المتلاصقة وطرقاتها الضيقة المعروفة بـ“السكيك” ـــ الحاجة إلى مساحة مستقلة يجتمع فيها الرجال. وما إن ظهرت الديوانيات الأولى، التي لم يتجاوز عددها عشرة آنذاك، حتى أصبحت نواة لمؤسسة اجتماعية ستشكل لاحقًا أحد أبرز معالم المجتمع الكويتي. وكانت الديوانية في بداياتها غرفة ملحقة بالمنزل بمدخل مستقل، تستقبل الزوّار وتحتضن الوافدين من خارج المدينة، وتتيح لهم الإقامة حتى تُقضى حوائجهم.

وتحوّلت الديوانية مع الوقت إلى تحفة معمارية تعكس فهمًا دقيقًا لمتطلبات البيئة الصحراوية، إذ ارتفع سقفها نحو ستة أمتار، وتكوّنت جدرانها السميكة من طبقات متعددة من الطين والرماد والحصير، مما وفر لها عزلًا حراريًا طبيعيًا. كما تميّزت بكثرة نوافذها المطلة على الطريق، وبجلساتها الواسعة التي تتسع لعشرين أو ثلاثين شخصًا، وبـ“الرواشن” التي تُزيّن الجدران وتُعرض عليها التحف، إضافة إلى “اللوجار” وهو المكان الذي يعد فيه القهوة والشاي، ليكون بذلك قلب الديوانية وروحها.
وبرزت عبر التاريخ ديوانيات شكّلت علامات فارقة في الذاكرة الكويتية، ومنها ديوانية معرفي التي تُعد أقدم ديوانية موثقة منذ عهد الشيخ جابر الصباح (جابر العيش)، وديوانية أسرة بورسلي الشهيرة ببابها المخصص لدخول الإبل، وديوانية النقيب المعروفة بارتباطها بالأدب ، وديوان العسعوسي الذي تأسس عام 1742 وما زال محافظًا على روحه وبنائه الأصلي.
ولم يقتصر دور الديوانية على الجانب الاجتماعي، إذ سرعان ما تحولت إلى منصة سياسية وثقافية واقتصادية مؤثرة. ويبرز في هذا السياق ديوان الملا مطلع القرن العشرين، حيث لعب الملا صالح دورًا إعلاميًا مهمًا خلال الحرب العالمية الثانية بترجمته نشرات “بي بي سي” للحضور من السياسيين والوجهاء وشهد الديوان نفسه مفاوضات التنقيب عن النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي مفاوضات رسمت ملامح التحول الاقتصادي للكويت.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة قدرة الديوانية على التكيف مع التحولات السريعة في المجتمع الكويتي. وخلصت دراسة للباحث البريطاني كليمينس تشاي، نُشرت في Journal of Arabian Studies، إلى أن الديوانية ـــ رغم تغير شكلها المادي ـــ احتفظت بجوهرها الاجتماعي، وباتت فضاءً يجمع الأجيال ويعيد إنتاج القيم الثقافية، ويعزز رأس المال الاجتماعي من خلال العادات المتوارثة في الزيارات واللقاءات. كما أكدت الدراسة أن الحضور في الديوانيات أصبح جزءًا من التجمع الدائم للكويتيين، وأنها تمثل جسرًا يربط الأجداد والآباء بالأبناء.
وبالرغم من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتوسع المجتمعات الافتراضية، فإن الديوانية لا تزال تحافظ على دورها الحيوي إذ تُعد مساحة حرة للنقاش السياسي والاجتماعي، خاصة أنها مستثناة من قانون التجمعات، مما جعلها منبرًا للتعبير عن الرأي ووجهة للتيارات المختلفة. وامتد هذا التقليد إلى النساء في السنوات الأخيرة، حيث ظهرت ديوانيات نسائية تُجسد قدرة هذه المؤسسة على التطور والانفتاح. وعلى مر العقود.
عبّرت الديوانيات عن العلاقة الوثيقة بين الحاكم والمحكوم في الكويت، إذ اعتاد حكام البلاد زيارة الديوانيات الكبرى في المناسبات المختلفة، تأكيدًا لنهج الحكم القائم على المشاركة والاختيار، وهو ما تُجسّده المقولة الشهيرة: “جئنا للحكم بالاختيار… اختيار الشعب”.
واليوم، يفوق عدد الديوانيات الرسميه في الكويت عن الف ديوانيه والغير رسميه عده الاف اخرى ، في دلالة على عمق هذا الموروث وتجذّره في المجتمع.
ورغم تشابه فكرة المجالس في الخليج، فإن للديوانية الكويتية خصوصية تتفوق على نظيراتها، سواء في دورها الاجتماعي أم السياسي أم الثقافي. وبذلك، لا يشكل إدراج الديوانية في قائمة التراث غير المادي لليونسكو مجرد إنجاز رمزي، بل اعترافًا عالميًا بمؤسسة اجتماعية نجحت في أن تكون فضاءً حيًا يتجدد دون أن يفقد أصالته، ويرسّخ قيم التواصل والمشاركة والانفتاح.
الديوانيه قصة تراث استطاع أن يتحول من حاجة عمرانية بسيطة إلى رمز وطني وثروة ثقافية تستحق الاحتفاء الدولي.
الديوانية مؤسسة اجتماعية تنحصر في دولة الكويت بنمط خاص ومنطقة الخليج بشكل مشابه تقريبا ، ذات أهداف وغايات واضحة متجذرة في الثقافة والمجتمع والحياة المدنية.
أهداف الديوانية :
- تعزيز الروابط الاجتماعية: جمع أفراد الأسرة والأصدقاء والجيران وأفراد المجتمع، لتقوية العلاقات والتماسك الاجتماعي.
- حفظ التراث الثقافي: الحفاظ على التقاليد والعادات والآداب والتاريخ الكويتي ونقله عبر الأجيال.
- تشجيع الحوار وتبادل الأفكار: توفير مساحة آمنة ومفتوحة للنقاش حول القضايا الاجتماعية والثقافية والدينية والوطنية.
- تعزيز وحدة المجتمع والعمل كمنتدى جامع يتفاعل فيه الناس من مختلف الخلفيات والآراء باحترام.
- دعم المشاركة والعمل كمنصة شعبية للتعبير عن الرأي العام، والتوعية المدنية، والحوار السياسي غير الرسمي.
- تيسير اللقاءات الدورية وتنظيم اجتماعات منتظمة تتيح للأعضاء التواصل والتحاور وتبادل الأخبار والخبرات.
مشاركة المعرفة والحكمة وتمكين تبادل النصائح والخبرات الحياتية والمعرفة بين كبار السن والمهنيين والشباب.- حلّ المشكلات الاجتماعية بشكل غير رسمي وتوفير مساحة للوساطة والمصالحة وحلّ المشكلات داخل الأسر أو المجتمع ككل.
- الاحتفاء بالمناسبات الثقافية والاجتماعية واستضافة التجمعات خلال شهر رمضان والأعياد الوطنية وحفلات الزفاف والعزاء وغيرها من المناسبات الهامة.
- تشجيع الحوار البنّاء وتعزيز التسامح والإنصات واحترام الآراء المختلفة في إطار القيم الكويتية.
- توجيه الأجيال الشابة والقدوة الحسنة والدعم المعنوي للشباب من خلال التفاعل مع كبار السن.
- تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الشعور بالانتماء والوطنية والمسؤولية المشتركة تجاه المجتمع والوطن.







