الأخبارالسفارات في الكويتالأخبار الرئيسيةوجهات نظر

أوزبكستان في عامها الـ35: من إرث تاريخي إلى عهد جديد من التقدم الوطني

بقلم: أيوب خان يونسوف
سفير جمهورية أوزبكستان لدى دولة الكويت

مع احتفال أوزبكستان بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلالها، تمثل هذه المناسبة أكثر من مجرد فرصة لاستذكار مسيرة البلاد منذ عام 1991. فهي لحظة للتأمل في المسافة التي قطعتها الأمة، والتغييرات العميقة التي شهدتها خلال العقود الثلاثة والنصف الماضية، والرؤية الطموحة التي ترسم ملامح مستقبلها.

وقد تبدو خمسة وثلاثون عاماً فترة قصيرة نسبياً بمقاييس التاريخ، إلا أن هذه العقود بالنسبة إلى أوزبكستان مثلت حقبة كاملة من بناء الدولة، وترسيخ الاستقلال، والتحول الاقتصادي والاجتماعي، وتكريس مكانة البلاد كعضو أكثر نشاطاً واحتراماً في المجتمع الدولي.

وتعكس الرسالة التي وجهها رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال الأهمية التاريخية لهذه المسيرة، فضلاً عن الفرص التي تنتظر البلاد في المستقبل.

الاستقلال المتجذر في التاريخ

بالنسبة إلى الشعب الأوزبكي، لا يمكن النظر إلى الاستقلال باعتباره مجرد محطة سياسية أو تاريخاً على التقويم الوطني. فمعناه أعمق بكثير. وكما أكد الرئيس ميرضيائيف، فإن استقلال أوزبكستان متجذر في تاريخ يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام من الحضارة وتقاليد الدولة الوطنية. وهو يمثل استعادة للذاكرة التاريخية والهوية الوطنية والكرامة واحترام الذات.

وقد منح الاستقلال شعب أوزبكستان حرية متجددة للحفاظ على دينه المقدس، ولغته الأم، وتقاليده الوطنية وقيمه الثقافية التي تناقلتها الأجيال.

وفي هذه المناسبة الوطنية المهمة، نتذكر بكل احترام عميق أولئك الذين ناضلوا وضحوا بحياتهم من أجل حرية الوطن. وفي الوقت نفسه، من المهم الاعتراف بالمساهمة التاريخية للرئيس الأول لأوزبكستان، رجل الدولة البارز إسلام عبدوغانيفيتش كريموف، في تأسيس الدولة الأوزبكية المستقلة وترسيخ دعائمها.

وضع كرامة الإنسان في صميم التنمية

دخلت أوزبكستان خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من التنمية، أصبحت فيها كرامة الإنسان ومصالح الفرد ورفاه المجتمع في صميم أجندة الإصلاح التي يقودها الرئيس شوكت ميرضيائيف.

وكان أحد المبادئ الأساسية لهذه الإصلاحات هو أهمية الاستماع إلى الناس والاستجابة لمخاوفهم واحتياجاتهم. وقد انعكس ذلك تدريجياً في تغييرات واسعة النطاق في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعامة.

وقد نجحت أوزبكستان في القضاء على العمل القسري وعمالة الأطفال، بما في ذلك في قطاع القطن، كما أزالت القيود المفروضة على قابلية تحويل العملة، وأجرت إصلاحاً جوهرياً لنظام تسجيل الإقامة التقييدي الذي كان يُعرف سابقاً باسم «بروبيسكا».

كما فتحت البلاد أبوابها على نحو أوسع أمام المجتمع الدولي، وأوجدت فرصاً جديدة للمواطنين ورواد الأعمال والمستثمرين والشركاء الأجانب.

وتنعكس هذه الإصلاحات بصورة متزايدة في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ووفقاً للأرقام التي سلط الرئيس ميرضيائيف الضوء عليها، انخفض معدل الفقر في أوزبكستان من 35 بالمئة في عام 2017 إلى 4 بالمئة اليوم. وقد أسهم هذا التحول في تحسين نوعية حياة نحو 10 ملايين شخص، ووفّر فرصاً أكبر ومستويات أعلى من الأمان لملايين الأسر.

وكانت أوزبكستان قد حددت في البداية هدفاً يتمثل في الوصول إلى ناتج محلي إجمالي قدره 160 مليار دولار بحلول عام 2030. إلا أن الرئيس أعلن الآن أن هذا الهدف من المتوقع تحقيقه هذا العام، الأمر الذي يفتح الباب أمام إمكانية انضمام أوزبكستان إلى مجموعة الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأعلى.

ولا تتوقف البلاد عند هذا الإنجاز، بل تتطلع إلى هدف جديد يتمثل في رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 300 مليار دولار بحلول عام 2030.

وخلف هذه الأرقام يوجد أناس وحياتهم اليومية؛ شركات جديدة، وفرص عمل، وطرق وبنية تحتية أفضل، ومدارس وجامعات أكثر تطوراً، ومرافق رعاية صحية حديثة، وربما الأهم من ذلك، شعور أقوى بالثقة في المستقبل.

الاستثمار في الإنسان والجيل القادم

لا يمكن للتنمية الاقتصادية وحدها أن تحدد قوة الأمة. وتنظر أوزبكستان بصورة متزايدة إلى شعبها، بما يمتلكه من معرفة ومهارات وإبداع وقدرة على الابتكار، باعتباره أعظم أصولها الاستراتيجية.

ولهذا أصبحت قطاعات التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار ركائز أساسية في استراتيجية التنمية الوطنية.

ومن التطورات المهمة بصورة خاصة تنامي مشاركة المرأة في التعليم العالي. واليوم، تشكل النساء والفتيات أكثر من نصف عدد الطلاب المسجلين في مؤسسات التعليم العالي في أوزبكستان.

وتتجاوز أهمية ذلك بكثير حدود الحرم الجامعي. فالمرأة المتعلمة تسهم في بناء أسرة متعلمة، والأسرة المتعلمة تسهم في بناء جيل أقوى، والجيل المتعلم يضع الأساس لمجتمع أكثر وعياً وازدهاراً.

ويشكل هذا التركيز على رأس المال البشري محوراً أساسياً لفكرة «أوزبكستان الجديدة»، وهي دولة تسعى إلى المنافسة عالمياً ليس فقط من خلال مواردها الطبيعية، وإنما أيضاً من خلال قدرات شعبها وطموحاته.

وفي هذا السياق، برزت رؤية الرئيس ميرضيائيف لتحويل أوزبكستان إلى مركز للمبادرات التكنولوجية المتقدمة باعتبارها إحدى الأولويات الرئيسية طويلة الأمد للبلاد.

حياة أكثر صحة ونوعية أفضل

ينعكس التحول الجاري في أوزبكستان أيضاً على قطاع الصحة العامة. ففي الفترة بين عامي 1991 و2025، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 66.4 عاماً إلى 75.4 عاماً. وخلال الفترة نفسها، انخفضت معدلات وفيات الأمهات والرضع بمقدار أربعة أضعاف.

ومن المتوقع أن تركز المرحلة المقبلة من إصلاحات الرعاية الصحية بدرجة أكبر على الوقاية، بدلاً من الاكتفاء بعلاج المرض بعد حدوثه.

كما تعتزم أوزبكستان توسيع نطاق التأمين الصحي الحكومي ليشمل كل أسرة في البلاد. ويعكس ذلك مبدأً مهماً يقوم عليه نهج التنمية الأوسع في البلاد، وهو أن النمو الاقتصادي يجب أن يخدم الإنسان في نهاية المطاف.

فالتنمية تكتسب معناها الحقيقي عندما تمكن المواطنين من العيش لفترة أطول، وبصحة أفضل، وبكرامة أكبر.

العقد المقبل: عهد جديد من التقدم الوطني

تأتي الذكرى الخامسة والثلاثون للاستقلال أيضاً في وقت تتطلع فيه أوزبكستان بثقة نحو المستقبل.

وقد وصف الرئيس ميرضيائيف العقد المقبل بأنه عهد جديد من التقدم الوطني، تستعد خلاله البلاد لتنفيذ سبعة برامج وطنية كبرى تهدف إلى مواصلة تحسين كرامة الإنسان ونوعية الحياة.

ومن بين الأولويات تحويل المعرفة والمهارات إلى رأس المال الرئيسي للتنمية المستقبلية وبناء نظام صحي حديث يركز على الوقاية وإجراء تحسينات جوهرية في إدارة موارد المياه وحماية البيئة وتعزيز الضمانات القانونية للمواطنين ورواد الأعمال ومنح «المحلة» ـ وهي المؤسسة التقليدية للأحياء في أوزبكستان ـ دوراً أكبر في تنمية المجتمع.

وعلى الرغم من أن هذه الأولويات تغطي جوانب مختلفة من الحياة الوطنية فإنها تشترك جميعاً في هدف واحد هو ضمان ترجمة التنمية إلى مستوى أفضل من الحياة وكرامة أكبر لكل مواطن.

أوزبكستان أكثر انفتاحاً على العالم

من موقعي سفيراً لأوزبكستان لدى دولة الكويت، ومن خلال تواصلي المستمر مع الشركاء الدوليين، شهدت تنامي الاهتمام بأوزبكستان وبالتحولات التي تشهدها البلاد.

وأصبحت أوزبكستان اليوم ليست فقط واحدة من الأسواق الرئيسية في آسيا الوسطى ووجهة متزايدة الجاذبية للاستثمار، بل تسعى أيضاً إلى ترسيخ مكانتها كدولة للتعاون الإقليمي، والترابط، والحوار البناء، والشراكات القائمة على المنفعة المتبادلة.

وتظل سياستنا الخارجية متعددة الاتجاهات، وحذرة ومتوازنة. وتسعى أوزبكستان إلى تعزيز دورها كمركز للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية، مع الإسهام في الوقت نفسه في الدبلوماسية الدولية والحوار البناء.

وفي إطار هذه السياسة الخارجية المنفتحة والعملية، تحتل العلاقات مع دولة الكويت والعالم العربي الأوسع مكانة مهمة.

أوزبكستان والكويت: شراكة قابلة لمزيد من النمو

تستند العلاقات بين أوزبكستان والكويت إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية الرسمية. فشعبا البلدين يتشاركان قيماً تشمل الاحترام المتبادل، والالتزام بالسلام، والتقاليد الأسرية والمجتمعية القوية، وثقافة أصيلة من حسن الضيافة.

وتوفر هذه القيم المشتركة أساساً طبيعياً لتوسيع التعاون العملي في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية الاقتصادية والثقافة والتعليم والتبادلات الإنسانية وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.

وكانت الزيارة الرسمية الأولى للرئيس شوكت ميرضيائيف إلى دولة الكويت في فبراير 2025 محطة مهمة بشكل خاص في مسيرة هذه العلاقات.

وقد عكست الزيارة، بما تخللها من لقاءات ودية ومثمرة مع سمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، وسمو الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ولي عهد دولة الكويت، عمق الصداقة والاحترام والثقة المتبادلة بين البلدين.

والأهم أن الزيارة أعطت دفعة قوية للعلاقات الثنائية، وأرست أساساً أكثر متانة للتعاون في مجالات الحوار السياسي، والتجارة والاستثمار، والصناعة، والرعاية الصحية، والتعليم، والنقل والخدمات اللوجستية، والثقافة والسياحة.

واليوم، يجري تحويل التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال تلك الزيارة التاريخية بصورة متزايدة إلى تعاون عملي وملموس.

وهناك اهتمام متنامٍ من الجانبين بتوسيع العلاقات التجارية والاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتطوير الشراكات الصناعية، وتنفيذ مبادرات مشتركة في قطاعات الزراعة والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والتعليم والسياحة.

والإمكانات كبيرة وما نحتاج إليه الآن هو مواصلة تحويل الإرادة السياسية وحسن النوايا إلى مشاريع ملموسة وشراكات تجارية وتبادلات تعود بالنفع المباشر على شعبي البلدين.

وتعتبر أوزبكستان دولة الكويت شريكاً مهماً وموثوقاً. وتشكل الإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين، إلى جانب الصداقة التاريخية والاحترام المتبادل بين الشعبين، أساساً قوياً للارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى جديد.

الاستقلال مسؤولية

إن الذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال هي احتفال بالإنجاز، وفي الوقت ذاته تذكير بالمسؤولية.

فأوزبكستان اليوم أقوى مما كانت عليه بالأمس، إلا أن طموحات الغد أكبر بكثير.

وقد عبّر الرئيس ميرضيائيف عن هذا الشعور بالثقة عندما قال: «اليوم نحن أقوى مما كنا عليه بالأمس، وغداً سنكون أقوى مما نحن عليه اليوم».

وتعكس هذه الكلمات روح «أوزبكستان الجديدة»؛ الإيمان بقوة شعبها وقدرته على الصمود وإمكاناته. كما تحمل رسالة مهمة أخرى، وهي أنه عندما يعمل الشعب والدولة معاً لتحقيق هدف مشترك، فإن هناك القليل من الحدود التي لا يمكن تجاوزها.

ومع احتفال أوزبكستان بمرور 35 عاماً على استقلالها، فإنها تفعل ذلك مستندة إلى تاريخها العريق الذي يمنحها إحساساً بالهوية، وإصلاحاتها التي توفر الثقة في الحاضر، وطموحاتها التي ترسم مساراً واضحاً نحو المستقبل.

لقد كانت المسيرة مهمة ومليئة بالإنجازات، لكنها لم تكتمل بعد. وتتطلع أوزبكستان الآن إلى عهد جديد، عنوانه الانفتاح والتقدم والمعرفة والابتكار والازدهار، مع بقائها راسخة في تاريخها وهويتها الوطنية.

وأنا على ثقة بأن الشعب الأوزبكي الشجاع والصامد والنبيل سيواصل السعي لتحقيق أهداف البلاد الكبرى، وبناء دولة حديثة ومزدهرة ومنخرطة عالمياً، يسود فيها السلام والاستقرار، وتستند التنمية فيها بصورة راسخة إلى كرامة الإنسان والمعرفة والإبداع.

زر الذهاب إلى الأعلى