أخبار عربية ودولية

بعد أزمة هرمز.. العالم يبحث عن بدائل قبل إغلاق المضيق التالي

عندما وُقعت المذكرة التي أنهت الحرب مع إيران وطُلب من ناقلات النفط العالمية استئناف الإبحار، تنفست أسواق النفط الصعداء، فقد تراجع خام برنت، الذي قفز إلى 128 دولاراً للبرميل في مارس آذار مع تساقط الصواريخ وإغلاق مضيق هرمز، ليتخلى عن معظم مكاسبه ويهبط نحو 80 دولاراً.

الارتياح حقيقي، والسفن عادت إلى الحركة، لكن العالم الذي يستأنف نشاطه الآن ليس هو العالم الذي توقف.

تتعامل الأسواق مع إعادة فتح المضيق باعتبارها إعادة ضبط للأوضاع، وعودة إلى تجارة الطاقة الرخيصة التي تحكمها قاعدة «الأقل تكلفة يفوز»، التي سادت قبل فبراير شباط.

لكن ذلك يبدو مستبعداً؛ فالحرب لم تغيّر الأسعار فحسب، بل أعادت تشكيل طريقة تفكير العالم في مصادر طاقته، والنظام الهيدروكربوني المتمركز حول مضيق هرمز، الذي شكّل أساس أسواق الطاقة العالمية لنصف قرن، لن يعود ببساطة إلى سابق عهده مع استمرار وقف إطلاق النار، فمن الآن فصاعداً، سيصبح أمن الإمدادات، لا كفاءة التكلفة، المبدأ المنظم لأسواق الطاقة، والأمن له تكلفة.

لقد شاهدنا هذا المشهد مرتين من قبل، فقد غيّرت طفرة النفط الصخري الأميركية بشكل دائم نظرة الأسواق إلى الندرة، كما غيّر وقف روسيا لإمدادات الغاز عام 2022 نظرة أوروبا إلى الاعتماد على مورد واحد.

وهذه الأزمة تفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى الشرق الأوسط، وقد ضربت النفط والغاز والبتروكيماويات والأسمدة في وقت واحد وبسرعة كافية لترسخ في الذاكرة المؤسسية؛ فالأحداث بهذا الحجم تغيّر طريقة تفكير المؤسسات في المخاطر، وليس فقط طريقة تسعيرها.

لنبدأ بسبب يجعل «إعادة الفتح» و«العودة إلى الوضع الطبيعي» أمرين تفصل بينهما أشهر على الأرجح؛ فإزالة الألغام البحرية تستغرق نحو نصف عام، وقد لا تخفض شركات التأمين رسوم مخاطر الحرب بالكامل قبل الانتهاء من ذلك، ولا تتوقع شركة أدنوك الإماراتية عودة التدفقات الكاملة عبر هرمز قبل عام 2027.

كما طرح أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية، جدولاً زمنياً مشابهاً لإتاحة الوقت أمام السوق للتعامل مع التكدس الكبير في حركة الشحن.

لكن السبب الأعمق لا يتعلق بالألغام أو الناقلات، فالقرارات التي اتُّخذت خلال فترة الإغلاق، من إعادة توجيه الشحنات وتعديل العقود وتسريع خطط خطوط الأنابيب والمحطات التي تتجاوز مضيق هرمز، أصبحت واقعاً قائماً. فالبنية التحتية، بمجرد إعادة بنائها، لا تُفكك نفسها لمجرد إعادة فتح ممر مائي، وبعض القرارات المتخذة اليوم ستنتج هياكل لسلاسل إمداد أكثر تنوعاً ومرونة على المدى الطويل.

وفي الوقت نفسه، يكافئ هذا التحول الجهات في الشرق الأوسط التي امتلكت الرؤية لبناء بدائل تحميها من نقاط ضعفها، وسيواصل مكافأتها.

بُني خط الأنابيب السعودي «شرق-غرب» قبل أربعة عقود خلال حرب الناقلات بين إيران والعراق خصيصاً لمثل هذا السيناريو لنقل النفط الخام إلى البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز بالكامل.

وعندما اندلعت الحرب في فبراير شباط، كان هذا الخط هو الفارق بين استمرار البيع أو التوقف عن العمل، وتمكنت أرامكو السعودية من مواصلة معظم صادراتها عبر مسار لا تستطيع إيران التأثير فيه، ما حدّ من حالة الذعر التي ربما كانت ستدفع أسعار برنت إلى مستويات الأزمة القصوى. في المقابل، واجه العراق والكويت، اللذان لا يملكان بديلاً برياً، قيوداً كبيرة على الصادرات، وقد منحت المرونة التشغيلية الرياض أكثر من مجرد إيرادات؛ منحتها نفوذاً.

كما كان لدى الإمارات مسارات بديلة لصادراتها النفطية ساعدتها على مواجهة هذا السيناريو، وذلك عبر خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذي يمتد نحو 400 كيلومتر من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل.

وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 1.8 مليون برميل يومياً، ما يجعله أحد أهم مشاريع أمن الطاقة في المنطقة.

وخلال أزمة هرمز، وفّر هذا المسار للإمارات منفذاً مباشراً إلى الأسواق العالمية بعيداً عن مخاطر الإغلاق البحري، فيما تمضي الدولة في تطوير قدراتها البديلة عبر مشروع جديد يهدف إلى مضاعفة طاقة التصدير من الفجيرة بحلول عام 2027.

لكن هذه المرونة لا تمنح الحصانة، بل تمنح خيارات إضافية. وهناك دائماً من يدفع ثمن هذه الحماية، سواء كان المستثمر في طاقات احتياطية غير مستغلة أو المستهلك الذي يتحمل تكلفة براميل النفط المضمونة الوصول. والاستجابة الطبيعية لنجاح استراتيجية التحوط هي المزيد من التحوط؛ إذ يجري بالفعل طرح فكرة إنشاء خط أنابيب «شرق-غرب» ثانٍ، كما عادت مسارات متوقفة إلى دائرة النقاش، فيما تخطط الإمارات أيضاً لمضاعفة قدرة خط «أدكوب» الواصل بين الغرب والشرق إلى الفجيرة.

لكن سباق البنية اللوجستية هذا له تكلفة، وهذه التكلفة هيكلية.

وربما يكون أغلى خطأ يمكن أن ترتكبه دولة هو الخلط بين حجم الإمدادات وتنوعها.. انظروا إلى الهند، قبل أسابيع أعلنت نيتها تنويع مصادر الإمداد، لكن خلال فترة الإغلاق تقلصت خياراتها الواقعية إلى مصدرين فقط: النفط الروسي المخفض السعر، والنفط السعودي المشحون من ينبع على البحر الأحمر.. وموردان لا يشكّلان محفظة متنوعة، بل مجرد عملة ذات وجهين متماثلين.

بعد أزمة هرمز، تزداد جاذبية فكرة تقليص الاعتماد على مضيق هرمز، وينبغي لكل دولة مستوردة أن تتحرك في هذا الاتجاه. لكن السعي إلى الاستقلال الكامل يعد فخاً. فتكاد لا توجد دولة تستطيع التخلص نهائياً من الاعتماد على الشرق الأوسط؛ بل يمكنها فقط نقل هذا الاعتماد إلى مكان آخر. والوجهة الأكثر وضوحاً تدعو إلى التوقف والتفكير. فالتحول المقصود منه تنويع مصادر الطاقة قد يدفع بعض الدول إلى بناء روابط أعمق مع سلاسل توريد جديدة، من بينها الصين التي تمتلك حضوراً قوياً في أسواق السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية، واستبدال نفط هرمز بسيارات كهربائية مجمعة في هويتشو الصينية ليس استقلالاً، بل مجرد تغيير للجهة التي يعتمد عليها العالم.

وأخطر مرحلة هي مرحلة الانتقال نفسها، إذ تجعل المستوردين مكشوفين من الجانبين في الوقت ذاته: ما زالوا يعتمدون على نفط الشرق الأوسط الذي لم يستبدلوه بعد، وأصبحوا في الوقت نفسه يعتمدون على معدات صينية لا يستطيعون تصنيعها محلياً.

وربما تكون الدول المحظوظة جغرافياً فقط، مثل أيسلندا بطاقة الحرارة الجوفية أو باراغواي بمواردها المائية، قادرة على الانسحاب فعلياً من هذه المعادلة، أما البقية فتعيد ترتيب أشكال الاعتماد بدلاً من القضاء عليها، وتكمن المهارة الحقيقية في اختيار نوع الاعتماد الذي يمكن التعايش معه.

تكشف الأسواق عن حقيقة بسيطة: فهي لا تهتم بالافتراضات المسبقة؛ سواء كانت الطاقة نظيفة أم ملوثة أم خضراء أم سوداء، فإن السؤال الوحيد هو مدى سرعة إيصال الطاقة إلى المستهلك.

ولذلك، فإن الاستجابة الذكية ليست أيديولوجية، بل تُبنى على مزيجٍ يجمع بين القدرة الفورية للهيدروكربونات على توفير الطاقة وبين الاستدامة طويلة الأجل للطاقة المتجددة.

وقد أدركت فرنسا ذلك في سبعينيات القرن الماضي عندما اتجهت إلى الطاقة النووية، ليس بدافع بيئي بل بدافع المصلحة الذاتية بعد صدمات النفط. وتدرك الصين الأمر نفسه اليوم، إذ بدأ توسعها في الطاقة النظيفة باعتباره وسيلة للتحوط ضد نقطة الاختناق الخاصة بها في مضيق ملقا. فالتحول الأخضر يتسارع عندما تحركه المصالح الذاتية.

وبالنسبة إلى الدول المستوردة للطاقة، فالرسالة واضحة؛ العودة إلى تخزين الإمدادات الاحتياطية أصبحت ضرورة، والاعتماد على بنية تحتية احتياطية أصبح خياراً عقلانياً لا مبالغة فيه، كما أن تقليص التعرض للخليج بات قاعدة أساسية لا مجرد وسيلة تحوط.. لقد بدأ عصر الاعتماد الحصري على سلاسل التوريد الفورية والأقل تكلفة بالانحسار.

ويكافئ هذا التحول أيضاً المبادرة من جانب المنتجين.

فقد بدأ النقاش حول كيفية إعادة البناء بعد الأزمة، وهو يصب في مصلحة المنتجين الذين يأتون بمقترحات ملموسة، مثل أطر أمن الإمدادات، والاستثمار المشترك في البنية التحتية البديلة، وآليات التسعير طويلة الأجل، أو الالتزامات التي تثبت الموثوقية.. فالمنتج الذي يصل حاملاً حلولاً يكون في موقع أقوى بكثير من المنتج الذي ينتظر ثم يكتفي برد الفعل.

وعند جمع هذه العناصر كلها، نصل إلى نتيجة واضحة؛ فإذا أصبح الأمن يتقدم على التكلفة، فسيتعين على العالم أن يدفع ثمن ذلك من خلال طاقات احتياطية إضافية، وخطوط أنابيب بديلة، ومخزونات أكبر، وقوائم أوسع من الموردين، وهذه التكاليف لا تختفي بمجرد إعادة فتح المضيق، بل تترسخ في الأسعار.

والتقدير المعقول، وإن كان حكماً لا نموذجاً حسابياً، هو إضافة علاوة أمنية تبلغ نحو 15 دولاراً للبرميل فوق مستوى 60 دولاراً الذي كان النفط يتداول عنده مع دخول عام 2026، أي زيادة بنحو 25% تجعل أرضية الأسعار الجديدة أقرب إلى 75 دولاراً منها إلى 60 دولاراً، والمؤشرات موجودة بالفعل؛ فالمحللون أنفسهم الذين يتوقعون عودة الأوضاع إلى طبيعتها يتحدثون عن أسعار تتراوح بين 70 و90 دولاراً للبرميل، أعلى بكثير من القيمة العادلة السابقة، رغم إصرارهم على أن هذا الارتفاع مؤقت.

لكنه ليس مؤقتاً.

فالمضيق قد يُعاد فتحه، لكن الدرس الذي تركه لن يختفي.CNN الاقتصادية

زر الذهاب إلى الأعلى