هل تخطت مصر الصعب مع النقد الدولي؟.. الديون التحدي الأكبر

تتجه التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي إلى الاستمرار لسنوات طويلة، إذ تشير البيانات المتعلقة ببرامج الاقتراض إلى امتداد سداد بعض الأقساط حتى عام 2047، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بين المواطنين حول مستقبل الديون الخارجية وإمكانية اللجوء إلى برامج اقتراض جديدة خلال السنوات المقبلة.
وتعكس هذه الالتزامات مساراً امتد لسنوات، شهدت خلاله مصر الدخول في أكثر من برنامج مع صندوق النقد الدولي وإجراء عدد من المراجعات، بالتزامن مع تحديات اقتصادية ومالية دفعت الدولة إلى البحث عن مصادر تمويل ودعم خارجي.
ومن بين المواطنين الذين يتابعون هذا الملف ياسر، المولود عام 1985، والذي انتقل من محافظة سوهاج في صعيد مصر إلى مدينة السادس من أكتوبر غرب القاهرة بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة، ويرى أن العاصمة توفر فرصاً أوسع، إلى جانب مستوى أفضل من الخدمات التعليمية.
وعند اطلاعه على امتداد بعض الالتزامات المالية حتى عام 2047، توقف ياسر أمام المدى الزمني الطويل للسداد، مشيراً إلى أنه قد يبلغ آنذاك 62 عاماً إذا امتد به العمر، معرباً عن أمله في ألا تضطر مصر إلى الدخول في برامج اقتراض جديدة من صندوق النقد الدولي.
وتزامن ذلك مع تداول منشورات على منصات التواصل الاجتماعي في مصر تحت عنوان «الأصعب قد انتهى»، في إشارة إلى تراجع التزامات مصر لدى صندوق النقد الدولي إلى نحو 9 مليارات دولار، مقارنة بمستويات وصلت في مراحل سابقة إلى نحو 25 مليار دولار، وفقاً لما يتم تداوله بشأن برامج الصندوق ومراجعاتها.
ولا يمثل ملف الديون الخارجية تطوراً جديداً في الاقتصاد المصري؛ فقد شهدت البلاد مراحل سابقة من الاقتراض وإعادة الجدولة. ومن أبرز المحطات في هذا السياق حصول مصر عام 1987 على قرض من نادي باريس للدائنين بقيمة بلغت نحو 7.098 مليار دولار، بحسب بيانات نادي باريس.
وفي تلك الفترة، كان الرئيس الراحل حسني مبارك في مستهل سنوات حكمه، بينما كان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران يتولى رئاسة فرنسا، وكانت فكرة العملة الأوروبية الموحدة لا تزال بعيدة عن شكلها الحالي.
ورغم مرور عقود على تلك المرحلة، لا تزال بعض الالتزامات المرتبطة بإعادة جدولة ديون نادي باريس تظهر ضمن بيانات الدين الخارجي المصري. ووفقاً للنشرة الاقتصادية الأخيرة للبنك المركزي المصري، يبلغ حجم الالتزامات المدرجة تحت بند الديون الخارجية المعاد جدولتها نحو 297.6 مليون دولار، مع الإشارة إلى الاتفاق الموقع مع دول نادي باريس في 25 مايو 1991.
ومنذ إعادة جدولة تلك الديون، لم تدخل مصر في اقتراض جديد من نادي باريس، وهو ما يأمل ياسر أن يستمر أيضاً فيما يتعلق بصندوق النقد الدولي، قائلاً إنه يفضل التوقف عند المستويات الحالية وعدم العودة إلى برامج اقتراض جديدة، رغم تشككه في إمكانية حدوث ذلك.
ويعيد هذا الملف طرح سؤال أوسع حول قدرة الاقتصاد المصري على تقليص الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وتحقيق نمو مستدام يسمح بتخفيف أعباء خدمة الدين، بما ينعكس في النهاية على المالية العامة والاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين.
قفزة بالديون الخارجية لمصر
وتكشف أحدث بيانات البنك المركزي المصري أن إجمالي الدين الخارجي لمصر ارتفع إلى نحو 164.8 مليار دولار في نهاية مارس آذار 2026، مقارنة بنحو 163.9 مليار دولار في نهاية ديسمبر كانون الأول 2025، بزيادة تقارب 865 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر.
ويشمل هذا الرقم نحو 134.3 مليار دولار من الديون طويلة الأجل و30.5 مليار دولار من الديون قصيرة الأجل، وتستحوذ الحكومة على نحو 82.8 مليار دولار من إجمالي الدين الخارجي، فيما تبلغ ديون البنك المركزي نحو 35.8 مليار دولار، وبذلك فإن التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي، رغم أهميتها، تمثل جزءاً من كومة أكبر بكثير من الديون الخارجية التي يتعين على البلاد سدادها.
ويمثل الدين الخارجي لمصر نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق أحدث البيانات والتقديرات المتاحة، فقد بلغ الدين الخارجي 164.8 مليار دولار في نهاية مارس 2026، بينما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لمصر يبلغ نحو 430 مليار دولار في 2026.
وكانت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي قد بلغت نحو 40.3% في نهاية ديسمبر 2025، وفق بيانات البنك المركزي المصري، ويعني ذلك أن ارتفاع قيمة الدين الخارجي لا يعكس وحده تطور عبء الدين، إذ يمكن أن تنخفض نسبته إلى الناتج عندما ينمو الاقتصاد بوتيرة أسرع من نمو الدين.
خدمة الدين خطر في الأفق
ولا تقتصر الضغوط على حجم الدين نفسه، إذ تستحوذ خدمة الدين على جزء كبير من موارد الدولة، فقد مثّلت خدمة الدين نحو 52% من إجمالي المصروفات الحكومية خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من العام المالي الماضي، وهو ما يعني أن أكثر من نصف الإنفاق العام ذهب إلى سداد أقساط وفوائد الديون.
وبحسب الاقتصاديين، فإن بلوغ الدين الخارجي إلى مستويات تقترب من 60% من الناتج المحلي الإجمالي يعد عتبة تستدعي الانتباه في الاقتصادات الناشئة، إلا أن صندوق النقد الدولي لا يعتبر هذه النسبة حداً ثابتاً للاستدامة، إذ يعتمد تقييم مخاطر الديون على مجموعة أوسع من المؤشرات، من بينها قدرة الدولة على خدمة الدين وتركيبته وآجال استحقاقه، ونسبة الدين الحالية وحدها لا تشير إلى تجاوز تلك العتبة، لكن مخاطر خدمة الدين والسيولة الدولارية تظل قائمة
ولكن التحدي الأكبر الذي يواجهه ياسر ونحو 120 مليون مصري هو اشتراطات صندوق النقد الدولي ومراجعاته التي تتسبب في رفع دوري لأسعار المحروقات والطاقة ورفع الدعم عنهما وتقليل المستفيدين من منظومة الدعم الغذائي، وهو ما يؤدي إلى زيادة التضخم وضعف القوة الشرائية للمواطنين وتآكل ما تبقى من مدخراتهم.
وبالنسبة إلى ياسر، فإن عام 2047 ليس مجرد تاريخ في جدول سداد لصندوق النقد الدولي، بل عام قد يبلغه وهو في الثانية والستين من عمره، وربما يكون ما يثير قلقه أكثر أن قصة الديون التي بدأت في سنوات طفولته قد تمتد إلى سنوات تقاعد جيله، لتصبح الديون التي اقترضتها حكومات متعاقبة على مدى عقود جزءاً من حياة أجيال لم تكن طرفاً في القرارات التي أدت إليها.





