من طشقند إلى العالم.. الإعلام يعيد اكتشاف حضارة الإسلام بلغة الأجيال الجديدة

طشقند – كيف يمكن إيصال قصة الحضارة الإسلامية إلى جيل جديد يكتشف التاريخ بصورة متزايدة عبر الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات البث الرقمي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي؟
هذا السؤال يتصدر أعمال المنتدى الدولي للإعلام «الحضارة الإسلامية: رؤية جديدة – اكتشافات جديدة»، الذي تستضيفه طشقند وسمرقند في الفترة من 24 إلى 28 أغسطس 2026، بمشاركة صحفيين ومؤسسات إعلامية وصناع أفلام وأكاديميين وناشرين ومتخصصين في الإعلام الرقمي من دول عدة.
ويبحث المشاركون في المنتدى، الذي يُعقد في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، سبل توظيف الإعلام الحديث في تقديم الحضارة الإسلامية إلى الجمهور العالمي، ليس بهدف الحفاظ على التراث فحسب، وإنما لإعادة رواية تاريخه بصورة دقيقة ومسؤولة، وبأساليب قادرة على الوصول إلى الأجيال الشابة والتفاعل معها.
من المخطوطات إلى المنصات الرقمية
تتجاوز النقاشات في المنتدى مفهوم الصحافة التقليدية لتشمل الأفلام الوثائقية والتلفزيون والكتب والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وتقنيات الواقع الافتراضي والتجارب الغامرة، باعتبارها أدوات يمكن أن تسهم في نقل الإرث العلمي والفكري والثقافي للحضارة الإسلامية إلى جمهور أوسع.
ويأتي المنتدى في وقت بات فيه كثير من الناس يتعرفون إلى التاريخ من خلال المنصات الرقمية، بدلاً من الكتب والمؤسسات التقليدية. ومن هنا يناقش المشاركون كيفية تحويل المخطوطات والمعالم التاريخية والمنجزات العلمية وسير الشخصيات البارزة إلى قصص إعلامية جذابة، من دون التفريط في الدقة العلمية والتاريخية.
وتبرز من بين النقاشات رسالة أساسية مفادها أن الحفاظ على التراث ليس سوى الخطوة الأولى، بينما يتمثل التحدي الأكبر في جعل المعرفة والتجارب الإنسانية التي تقف وراء هذا التراث ذات معنى بالنسبة إلى أجيال تعيش بعد قرون من إنتاجها.
الحضارة الإسلامية.. قصة علم وفكر وإنسان
شهدت الحضارة الإسلامية أجيالاً من العلماء والأطباء والرياضيين والفلكيين والفلاسفة والمعماريين والأدباء والمفكرين، وأسهمت أعمالهم في تطوير المعرفة ونقلها وتبادلها بين مناطق وثقافات مختلفة عبر قرون طويلة.
ويطرح المنتدى سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن إخراج هذه القصص من نطاق الأوساط الأكاديمية لتصبح جزءاً من الإعلام الجماهيري؟
ويرى المشاركون أن الأجيال الشابة يمكن الوصول إليها من خلال الفيديوهات القصيرة والبودكاست والأفلام الوثائقية والمعارض التفاعلية والسرد عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بما يتيح تقديم الشخصيات والأفكار التاريخية بأساليب تتناسب مع أنماط الاستهلاك الإعلامي الحديثة.
تقديم الصورة الكاملة للحضارة الإسلامية
ومن أبرز الموضوعات التي يناقشها المنتدى ضرورة تقديم الحضارة الإسلامية باعتبارها تجربة فكرية وثقافية وإنسانية واسعة، بدلاً من اختزال تاريخها في سياقات السياسة المعاصرة أو الصراعات أو قضايا الأمن.
فإرث هذه الحضارة يمتد إلى مجالات الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والأدب والهندسة والعمارة والتعليم والبحث العلمي، إلى جانب إسهاماتها في حركة التبادل الفكري والثقافي بين الحضارات.
وأكد المشاركون أن الهدف ليس تقديم صورة مثالية عن الماضي، وإنما عرض تعقيد التجربة التاريخية وإبراز إسهاماتها بصورة أكثر توازناً وشمولاً.
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام باعتباره جسراً بين البحث التاريخي المتخصص والجمهور المعاصر.

أوزبكستان تسعى إلى تعزيز حضورها الإعلامي العالمي
وفي افتتاح المنتدى، أكد شيرزود أسادوف، السكرتير الصحفي لرئيس جمهورية أوزبكستان، أن انعقاد هذا الحدث يحمل أهمية رمزية كبيرة، باعتباره يسعى إلى تقديم إرث يمتد لقرون بوصفه جزءاً من التراث الإنساني المشترك.
وأشار إلى أن الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى الأجيال يتطلبان قدراً كبيراً من المسؤولية والثقة، معتبراً المنتدى منصة لتبادل الآراء وطرح رؤى جديدة لتقديم الحضارة الإسلامية باستخدام الوسائل الإعلامية الحديثة.
من جانبه، سلط كلاوس سترانس، الرئيس التنفيذي ورئيس التحرير في يورونيوز، الضوء على الدور التاريخي لأوزبكستان في انتشار الإسلام والحضارة الإسلامية، واصفاً البلاد بأنها تمثل جسراً يربط بين الشرق الأوسط والصين.
وأشار سترانس إلى أن وسائل الإعلام الدولية لا تمنح التاريخ الحديث والثقافي لدول آسيا الوسطى ما يستحقه من اهتمام، مؤكداً أهمية دور أوزبكستان في تعزيز التعاون بين الشرق والغرب.
وتعكس هذه التصريحات أحد الأهداف الأوسع للمنتدى، والمتمثل في تعزيز حضور آسيا الوسطى وتراثها التاريخي والثقافي في الإعلام الدولي.
مركز الحضارة الإسلامية.. من حفظ التراث إلى إعادة تقديمه
يؤدي مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان دوراً محورياً في المبادرة، إذ يسعى إلى تجاوز دوره التقليدي كمؤسسة لحفظ القطع التاريخية، ليكون منصة تجمع المقتنيات والمخطوطات والبحوث والبرامج التعليمية وتقنيات العرض الحديثة.
كما يولي المركز اهتماماً بحفظ المخطوطات والآثار ورقمنتها، وتوثيق التقاليد المعمارية والثقافية.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التاريخية التي تتمتع بها مدن مثل طشقند وسمرقند وبخارى في مسيرة العلوم والفكر الإسلامي.
وقال فردوس عبد الخالقوف، مدير مركز الحضارة الإسلامية، إن الدراسات التاريخية وحدها لم تعد كافية لإيصال الحضارة الإسلامية إلى الجمهور، مشدداً على ضرورة تقديم هذا التراث باستخدام وسائل وأساليب عصرية.
ودعا إلى تكثيف الجهود لتعزيز الذاكرة التاريخية، وإيصال القيم الإسلامية إلى الجمهور الدولي، والتصدي لما وصفه بالصور المشوهة عن الإسلام.
وأكد أن المركز لا ينبغي النظر إليه باعتباره مؤسسة للتراث فقط، وإنما منصة لتقديم المعرفة المتعلقة بالإسلام وتعليمها من خلال أدوات وأساليب حديثة.

شراكات إعلامية تتجاوز حدود التغطية
وتحتل الشراكات الدولية في مجال الإعلام موقعاً مهماً في أعمال المنتدى، حيث يعمل المركز على توسيع تعاونه مع مؤسسات إعلامية ومنظمات دولية بهدف إيصال قصص التراث الإسلامي وأوزبكستان إلى جمهور عالمي.
وتشمل مجالات التعاون إنتاج الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية والتقارير والكتب والمشروعات الرقمية التي تتناول الشخصيات التاريخية والمعالم الثقافية والتراث العلمي، إلى جانب مسيرة التطور التي تشهدها أوزبكستان.
وبذلك، لا ينظر المنتدى إلى الشراكات الإعلامية باعتبارها وسيلة للتغطية الإخبارية فحسب، بل باعتبارها أداة لإنتاج محتوى دولي مستدام حول الحضارة الإسلامية وتراث المنطقة.

طارق الشميري: لا ينبغي أن نتعامل مع الحضارة الإسلامية باعتبارها صفحة من الماضي
وفي كلمته خلال المنتدى، ذكر السيد طارق يوسف الشميمري، رئيس تحرير احدى الصحف الكويتيه ، إن الحضارة الإسلامية لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها فصلاً مغلقاً من التاريخ.
وقال: «ربما يكون أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتعامل مع الحضارة الإسلامية باعتبارها شيئاً حدث لنا. إنها حضارة لا تزال تتحدث إلينا».
وشدد الشميمري على مسؤولية الصحفيين والإعلاميين في جعل المعرفة التاريخية ذات معنى بالنسبة إلى الأجيال التي ستشكل المستقبل.
وأضاف: «مهمه الصحفيين والإعلاميين ليست مجرد الحفاظ على الماضي، وإنما أن نجعل الماضي ذا معنى للجيل الذي سيصنع المستقبل».
وتلخص هذه الرؤية أحد أبرز التحديات التي يناقشها المنتدى: كيفية يمكن استخدام أدوات العصر الحديث في رواية التاريخ، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أصالته ودقته.
ريفين ديسوزا: المشكلة ليست نقصاً في التاريخ بل في طريقة روايته
وفي جلسة بعنوان «إعادة تقديم الشخصيات العظيمة في الحضارة الإسلامية: كيف نخاطب جمهور القرن الحادي والعشرين؟»، تناول ريفين ديسوزا،من صحيفة «ذا تايمز كويت»، التحدي ذاته.
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية أنجبت علماء وأطباء ورياضيين وفلاسفة وفلكيين ومعماريين وأدباء ومفكرين تجاوز تأثير أفكارهم حدود زمانهم ومكانهم.
لكنه طرح سؤالاً أكثر أهمية: هل نقدم قصص هؤلاء الشخصيات بالطريقة التي يريد جمهور اليوم أن يسمعها؟
وقال: «التحدي الذي نواجهه ليس نقصاً في التاريخ، وإنما كيفية رواية ذلك التاريخ».
ودعا إلى تجاوز سرد قوائم الإنجازات والتواريخ، والتركيز بدلاً من ذلك على القصص الإنسانية التي تقف خلف الشخصيات التاريخية؛ فضولهم العلمي، ودوافعهم، والتحديات التي واجهوها، واكتشافاتهم، ورحلاتهم الفكرية والجغرافية.
ويرى أن هذا النهج يمكن أن يجعل شخصيات عاشت قبل قرون أكثر قرباً من الإنسان المعاصر ويحول التاريخ من مجموعة من المعلومات الجامدة إلى تجربة إنسانية قابلة للفهم والتفاعل.
التكنولوجيا تفتح آفاقاً جديدة
وتمنح التكنولوجيا الحديثة الإعلام فرصاً غير مسبوقة لإعادة تقديم هذا الإرث.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في رقمنة مجموعات ضخمة من المخطوطات وتنظيمها، بينما تتيح تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز إعادة بناء البيئات التاريخية واستحضارها بصورة تفاعلية.
كما يمكن للأفلام الوثائقية الجمع بين المواد الأرشيفية وتقنيات الإنتاج الحديثة، في حين تتيح وسائل التواصل الاجتماعي إيصال القصص التاريخية إلى ملايين المستخدمين.
لكن المشاركين شددوا على أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل الصحافة؛ إذ تظل عملية البحث والتحقق والاستناد إلى الخبرة التاريخية والسرد المسؤول عناصر أساسية.
فالهدف ليس تحويل التاريخ إلى مادة ترفيهية فحسب، وإنما جعله أكثر سهولة في الوصول والفهم من دون التضحية بالدقة والمصداقية.
جيل جديد من الصحفيين
ولا يغفل المنتدى دور الجيل الجديد من الإعلاميين، حيث اتفق مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان وجامعة أوزبكستان للصحافة والإعلام الجماهيري على التعاون في برنامج علمي وتعليمي مخصص للصحفيين الشباب.
ومن المقرر أن يجمع البرنامج بين التعليم والبحث والدورات التدريبية والمشروعات الإعلامية التي تركز على تاريخ أوزبكستان وثقافتها وتراثها العلمي.
وتعكس هذه المبادرة إدراكاً متزايداً لحقيقة أن رواية التاريخ والثقافة في المستقبل ستحتاج إلى صحفيين يجمعون بين فهم أدوات البحث التاريخي والقدرة على استخدام التقنيات الرقمية التي أصبحت القناة الأساسية التي يتلقى من خلالها الجمهور المعاصر المعلومات.
من حفظ الماضي إلى مخاطبة المستقبل
في نهاية المطاف، يسعى منتدى طشقند إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تُروى بها قصة الحضارة الإسلامية.
فالمسألة لم تعد تقتصر على حماية المخطوطات والآثار والمعالم التاريخية، وإنما تتعلق أيضاً بكيفية جعل المعرفة والقصص التي تمثلها هذه الكنوز ذات صلة بجيل جديد.
لقد تشكلت الحضارة الإسلامية عبر العلم والفضول والحوار والسفر وتبادل الأفكار، وهي قيم يمكن اليوم أن تجد طريقها إلى جمهور عالمي من خلال وسائل الإعلام الحديثة.
ومن هنا تبدو مهمة المنتدى واضحة: تحويل التراث إلى قصص، والتاريخ إلى تجربة إنسانية، والمعرفة إلى حوار مع المستقبل.
وبهذا المعنى، فإن اجتماع طشقند لا يمثل مجرد نقاش حول مستقبل الإعلام، بل يمثل محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: كيف ستفهم الأجيال القادمة واحدة من أهم التجارب الفكرية والثقافية في تاريخ الإنسانية.






