الأخبارمقالاتمنوعات

تنظيم التعاملات النقدية في الكويت: دراسة تحليلية لقرار وزارة التجارة رقم (32) لسنة 2026

بقلم المحامية/ نوير العازمي  – مكتب دار المحاماة

يشهد النظام القانوني والتجاري في دولة الكويت تحولاً متسارعاً نحو تعزيز الحوكمة المالية والرقابة على المعاملات التجارية، انسجاماً مع التوجهات العالمية الرامية إلى دعم الاقتصاد الرقمي ومكافحة الممارسات المالية غير المشروعة. وفي هذا الإطار، أصدرت وزارة التجارة والصناعة الكويتية القرار الوزاري رقم (32) لسنة 2026 بشأن تنظيم التعاملات النقدية لبعض الأنشطة التجارية والخدمية، والذي تضمن حظراً على تحصيل أو دفع مبالغ نقدية تتجاوز عشرة دنانير كويتية في نطاق أنشطة محددة، مع إلزام الشركات والمؤسسات باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة.

ويُعد هذا القرار من القرارات التنظيمية ذات الأبعاد الاقتصادية والرقابية المهمة، إذ يعكس رغبة المشرّع الإداري في إحكام الرقابة على التدفقات النقدية وتقليل الاعتماد على المعاملات التقليدية غير الموثقة، بما يحقق مزيداً من الشفافية المالية ويعزز الثقة في البيئة التجارية.

وقد حدد القرار نطاق تطبيقه على عدد من الأنشطة التي تتسم بكثرة التعاملات اليومية المباشرة مع الجمهور، وهي المعاهد الصحية، والصالونات الرجالية والنسائية وصالونات الأطفال، والنوادي الرياضية، وشركات مكافحة الحشرات الطبية والقوارض، إضافة إلى أنشطة استيراد وتصدير وتخزين مبيدات الصحة العامة. ويُلاحظ أن اختيار هذه الأنشطة لم يكن اعتباطياً، بل جاء بالنظر إلى طبيعة تعاملاتها النقدية المتكررة واحتمالية صعوبة تتبعها مالياً في حال استمرار الاعتماد على الدفع النقدي المباشر.

ومن الناحية القانونية، فإن القرار يستند إلى السلطة التنظيمية المخولة للإدارة بموجب القوانين المنظمة للتجارة وحماية الاقتصاد الوطني، حيث تملك الجهة الإدارية صلاحية إصدار القرارات التنفيذية التي تهدف إلى تنظيم النشاط الاقتصادي بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على سلامة النظام المالي. كما يتقاطع هذا القرار مع السياسات الوطنية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال تعزيز إمكانية تتبع العمليات المالية وإثباتها إلكترونياً.

ويترتب على تطبيق القرار التزام الشركات والمؤسسات الخاضعة له بعدم قبول أو دفع أي مبالغ تتجاوز الحد المقرر نقداً، سواء عند إبرام العقود أو تقديم الخدمات أو بيع السلع، على أن يتم السداد بواسطة بطاقات الدفع البنكية أو عبر الوسائل الإلكترونية المعتمدة من الجهات المصرفية المختصة. ويؤدي هذا التنظيم إلى خلق سجل مالي موثق للمعاملات التجارية، الأمر الذي يسهم في تسهيل عمليات التدقيق المالي والضريبي والرقابي.

وعلى الرغم من المزايا التنظيمية التي يحققها القرار، إلا أن تطبيقه العملي قد يثير بعض التحديات، لاسيما بالنسبة للمشروعات الصغيرة أو الأنشطة التي لا تزال تعتمد بصورة جزئية على النقد في تعاملاتها اليومية. كما قد يتطلب الأمر توفير بنية تقنية مناسبة وتوعية قانونية وإجرائية لأصحاب الأنشطة والعاملين فيها لضمان الامتثال الكامل لأحكام القرار.

وفي المقابل، فإن الآثار الإيجابية المتوقعة تبدو أكثر اتساعاً، إذ يسهم القرار في دعم التحول الرقمي، وتقليل مخاطر التهرب المالي، والحد من التعاملات غير الرسمية، فضلاً عن تعزيز الثقة في القطاع التجاري والخدمي. كما ينسجم مع توجه الدولة نحو تطوير الخدمات الإلكترونية وتحقيق رؤية اقتصادية قائمة على الشفافية والكفاءة.

وفي الختام، يمكن القول إن القرار الوزاري رقم (32) لسنة 2026 يمثل خطوة تشريعية وتنظيمية مهمة ضمن مسار تحديث البيئة التجارية في الكويت، ويؤكد توجه الإدارة العامة نحو ترسيخ مبدأ الرقابة المالية الإلكترونية وتقنين المعاملات التجارية بما يواكب التطورات الاقتصادية والتقنية الحديثة، مع تحقيق التوازن بين حرية النشاط التجاري ومتطلبات النظام العام الاقتصادي.

زر الذهاب إلى الأعلى