الأخبارطارق يوسف الشميمريسياحة وسفر

من سمرقند إلى فيلكا –  حين تتحدث الأرض بلغة الحضارة

بقلم : طارق يوسف الشميمري

 مدن عمرها آلاف السنين تكشف تشابهاً لافتاً بين ذاكرة أوزبكستان وحكاية الكويت

 أيام قليلة في طشقند وسمرقند تقود إلى التفكير عن تاريخ الكويت.


شاركت في المنتدى الإعلامي الدولي «الحضارة الإسلامية منظور جديد – اكتشافات جديدة» والذي جمع في أغسطس 2026 نحو 300 خبير وجهات إعلاميه من قرابة 50 دولة.

وبين جلسات المنتدى وزياراته، كان هناك شيء آخر يفرض نفسه  وهو التاريخ الذي لا يزال حاضراً في المكان.

تقدمت بكلمة في المنتدى وقلت فيها إن التحدي الحقيقي أمام الإعلام اليوم ليس فقط أن يحافظ على ذاكرة الحضارة الإسلامية، وإنما أن يعيد تقديمها للأجيال الجديدة بلغة تجعلهم يشعرون بأن هذا التاريخ جزء من قصتهم وتاريخهم ، وليس مجرد صفحات في كتاب قديم ، وأن فكرة تشابه الثقافات والحضارات  في طشقند وسمرقند  ليس بعيداً وأجده في المباني، والأسواق، والمساجد، والطرق، وحتى في طريقة الناس في استقبال الضيف، ومن هناك بدأت المقارنة مع الكويت.

فنظرت إلى أرض الكويت بالطريقة نفسها التي أنظر بها إلى سمرقند وقد اكتشفت في كثير من المواقع أن قصة الكويت لها أيضا  تاريخ مشابه في الحضارة .

سمرقند عندما يكون العمر أكثر من ألفي عام

تقف سمرقند اليوم كواحدة من أقدم المدن التاريخية في آسيا الوسطى، وتشير اليونسكو إلى أن الأدلة على الاستيطان في المنطقة تعود إلى نحو 1500 قبل الميلاد، فيما تأسست مدينة أفراسياب (سمرقند التاريخية) ، في القرن السابع قبل الميلاد وأن سمرقند لم تصبح عظيمة لمجرد قدمها، بل إن سر عظمتها كان موقعها، فقد كانت على مفترق طرق القوافل التي حملت السلع والأفكار والثقافات بين الصين وآسيا الوسطى وفارس والشرق الأوسط، وبحلول القرون الأولى للميلاد أصبحت مركزاً مهماً على طرق الحرير، قبل أن تصل إلى ذروة مجدها في العصر التيموري خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، ولهذا وصفتها اليونسكو بأنها «ملتقى للثقافات».

وحين أقف  أمام تاريخ سمرقند وعلمائها وفقهائها ومساجدها وبنائها  ، يصعب أن ترى هذه الشخصيات والأبنية باعتبارها آثاراً فقط بل إنها بقايا عصر كانت فيه العمارة والعلم والفلك والتجارة والسياسة جزءاً من مشروع حضاري واحد.

طشقند قصة أخرى بدأت قبل الاسم الذي نعرفه اليوم

في طشقند، تقودني الحكاية إلى منطقة تشاتش وإلى مدينة كانكا الأثرية، وتشير اليونسكو إلى أن كانكا كانت أول عاصمة لتشاتش، وكانت مدينة محصنة ضخمة، ومرت بها  شبكة طرق الحرير ، وفي المنطقة نفسها تطورت الزراعة منذ القرون السابقة للميلاد  وأصبحت المياه والزراعة والتجارة عوامل أساسية في نمو التجمعات الحضرية.

وهنا يبرز أمر يستحق التأمل بالنسبة لنا في الخليج أن الحضارات القديمة لم تكن تنتظر أن تكون الظروف مثالية بل كانت تصنع من الجغرافيا فرصة ، فأوزبكستان لم تكن تملك بحراً لكنها كانت في قلب آسيا، فصنعت من طرق القوافل شرياناً للحياة ، والكويت لم تكن في قلب القارة، لكنها كانت على رأس الخليج، فصنعت من البحر طريقاً إلى العالم.

الكويت حكاية بدأت قبل أكثر من 7000 عام

فالكويت التي نعرفها اليوم بمدنها الحديثة وموانئها وطرقها وأسواقها، تخفي تحت أرضها تاريخاً يعود إلى نهاية الألف السادس قبل الميلاد أي إلى أكثر من 7000 سنة ، وبالتحديد في منطقة الصبية شمال الكويت، كشفت التنقيبات عن مستوطنات مرتبطة بثقافة العبيد  وورش لتصنيع الخرز الصدفي وهناك أدلة على النشاط البحري ،  من بينها نموذج من الطين لأقدم قارب بحري.

وعندما نعرف أن فيلكا اكتشفت فيها آثاراً يونانية تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد فهنا تصبح الصورة أكثر إثارة، ومن أهم تلك الشواهد نقش إيكاروس اليوناني  تقريباً بين 246 و226 قبل الميلاد، والذي أدرجته اليونسكو في سجل ذاكرة العالم عام 2025، ويتضح جلياً من ذلك أن أرض الكويت لم تكن هامشاً بعيداً عن الحضارات الكبرى بل كانت جزءاً من شبكة اتصالاتها.

ويشير المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت  إلى أن نتائج المسح والتنقيب الأثري في الكويت دلت على بدء استقرار الإنسان على أرض الكويت في نهاية الألف السادس قبل الميلاد، كما وثقت أعمال التنقيب في الصبية مواقع تعود إلى حضارة العبيد وورشاً لتصنيع الخرز الصدفي، إلى جانب أدلة على نشاط بحري ونموذج طيني لقارب بحري. كما يوضح المجلس أن نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد شهدت ظهور قرى العصر البرونزي، وظهور ملامح هذه الفترة في عدد من المواقع والجزر الكويتية، ومنها فيلكا وأم النمل والشويخ وشمال جون الكويت.

د.طارق يوسف الشميمري

سمرقند والكويت قوافل وسفن تجاريه

لم يتبين لي إن هناك طريقاً مباشراً قديماً ربط سمرقند بالكويت ولكن التشابه في الدور الذي لعبه المكان، فسمرقند كانت محطة للقوافل وفيلكا والكويت كانتا محطة للسفن، وأن سمرقند فتحت أبوابها للقادمين من الشرق والغرب، والكويت فتحت شاطئها للقادمين من شمال الخليج وشرقه وجنوبه، وكلاهما صنعا في التجارة شيئاً أكبر من المال، وصنعا مجتمعاً يعرف الآخر ويتعامل معه ويستفيد من اختلافه.

الضيف أولاً.. تشابه نراه في البيت الكويتي والأوزبكي قبل الكتب

ففي الكويت والخليج لا يحتاج المرء إلى كتاب تاريخ ليفهم معنى الضيافة فالمجلس والقهوة والتمر والطعام والسؤال عن الضيف وإصرار المضيف على إكرامه كلها تفاصيل يعرفها الكويتي والخليجي بالفطرة.

وفي أوزبكستان شعرت بشيء قريب من ذلك فالكرم عن طريق تقديم الشاي والخبز والطعام العائلي المشترك والترحيب بالضيف ليست مجرد عادات سياحية  بل جزء من ثقافة اجتماعية متجذرة في الشعب الأوزبكي.

حتى السوق له حضور متشابه فأسواق سمرقند وطشقند القديمة لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، كما لم تكن الأسواق الكويتية القديمة مجرد محلات بل كانت أماكن للقاء وتبادل الأخبار والتعارف ودخول ثقافات جديدة إلى المجتمع.

والأمر نفسه ينطبق على احترام العلم ، فإذا كانت سمرقند قد ارتبطت بعلماء الفلك والرياضيات والطب وعلماء الدين، فإن الكويت عرفت منذ وقت مبكر بالكتاتيب والتعليم الديني والمجالس العلمية، قبل أن تنتقل إلى التعليم النظامي الحديث، فقد تختلف التفاصيل، لكن قيمة العلم ومكانة المعرفة تبدوان مألوفتين في التجربتين.

قصة الكويت وأوزبكستان الحديثه

أجمل ما في قصة الكويت وأوزبكستان أنها لا تتوقف عند الماضي فقد شهد تاريخ 17 و18 فبراير 2025 زيارة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف إلى الكويت لتفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وأعلن البلدان تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الشاملة، فيما بلغت القيمة المعلنة لحزمة الاتفاقيات والمشروعات الاقتصادية التي جرى الاتفاق عليها نحو 4.9 مليار دولار.

وشملت مجالات متعددة منها الصناعة، والطيران، والعمل، والمدن الذكية، والصحة، والسياحة، والثقافة والفنون، إضافة إلى التعاون مع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.

لم تكن القوافل والسفن في الماضي بالضرورة طريقاً مباشراً يصل الكويت بسمرقند، لكنهما كانتا من أهم أدوات التواصل التجاري والثقافي في المنطقتين، واليوم يتم التواصل عبر الاستثمار والطيران والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم والمشروعات التنموية.

يمثل الصندوق الكويتي للتنمية أحد أكثر الجوانب العملية وضوحاً في العلاقة بين دولة الكويت والدول الأخرى فالصندوق الذي تأسس عام 1961 لم يكن مجرد أداة للتمويل، بل أحد الوجوه التي عُرفت بها دولة الكويت في العالم النامي، وموّل الصندوق مشروعات تنموية في أوزبكستان، من بينها مشروع للبنية الأساسية للإسكان والتنميه  .

واليوم بعد التقدم والرؤيه التنموية في أوزباكستان الحديثه  أرى المحادثات تتجه إلى مجالات أوسع تشمل البنية التحتية والخدمات اللوجستية والزراعة والطاقة الخضراء والصحة والصناعة والخدمات والاستثمار فهي الطريقة التي يمكن أن تتحول بها العلاقات السياسية إلى مشروعات شراكات تنمويه حضارية.

من ذاكرة الحضارة إلى مستقبل التعاون

ربما كان أكثر ما بقي معي من المنتدى في طشقند هو أن الحديث عن الحضارة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المتاحف والكتب فالحضارة الحقيقية هي التي تستطيع أن تنتقل من الذاكرة إلى المستقبل ، ولهذا فإنني الان وعندما أفكر في سمرقند  لا أراها مدينة  مختلفه وبعيدة في آسيا الوسطى بل أراها مدينة تشبه الكويت في  أن كلاهما عرف مبكراً أن الانفتاح على العالم يمكن أن يكون مصدراً للقوة وليس تهديداً للهوية وكانت قوافل سمرقند تحمل الحرير والأفكار، وهنا كانت السفن الكويتية تحمل اللؤلؤ والبضائع والأخبار.

وبالتاكيد اليوم تستطيع الطائرات والاستثمارات والجامعات والإعلام والثقافة أن تحمل شيئاً أكبر وهو الشراكة بين الشعبين وأن لكل منهما تاريخ عميق وكلا الشعبين يتطلع إلى المستقبل فليس المطلوب أن نعيش في الماضي، بل أن نفهمه جيداً حتى لا نبني المستقبل من دون جذور.

فمن سمرقند إلى فيلكا ومن طرق الحرير إلى طرق الخليج تتغير الأزمنة والوسائل لكن الإنسان يبقى يبحث عن التواصل والتعلم والتجارة ويكتشف الطرف الآخر ثم يعود إلى بلده وأرضه أكثر غنى بما عرفه من العالم ، وهنا قد لا يكون بين الكويت وسمرقند طريق قديم واحد يمكن أن نرسمه على الخريطة، لكن بينهما فكرة قديمة جداً بأن الحضارة تبدأ عندما تتحول الجغرافيا من حدود إلى جسور تعاون وشراكه .

زر الذهاب إلى الأعلى