طارق يوسف الشميمريالأخبار الرئيسيةأعمدة

الأمم المتحدة بذكرى تأسيسها الثمانين: لحظة فاصلة في مسيرة السلام العالمي

استفتاء غير مباشر حول أهمية الأمم المتحدة ومستقبلها

بقلم: طارق يوسف الشميمري

الأمين العام السابق لمركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي

مع اجتماع  قادة العالم هذا الاسبوع في نيويورك لحضور  الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي يتزامن معها ذكرى تأسيس هذه المنظمة التاريخية تتوجهه الأنظار لنتائجها وكذلك على إرثها العريق بمرور تلك السنوات.

فبعد ثمانية عقود من تأسيسها، تقف الأمم المتحدة على مفترق طرق، حاملةً عبء إنجازاتها التاريخية وإخفاقاتها المدمرة في بعض الأحيان .

ففي عصر يتسم بالتحديات العالمية المعقدة، يبقى السؤال: هل تستطيع هذه المنظمة العالمية الكبرى مواصلة قيادة العالم نحو السلام والعدل والتعاون؟

نشأة الأمم المتحدة من الفوضى إلى الأمل

لم تكن الأمم المتحدة وليدة الصدفة، بل كانت استجابة حتمية لآثار حربين عالميتين دمرتا الحضارة تقريباً.

في عام 1945، ومع تعافي العالم من آثار الحرب العالمية الثانية، اجتمع ممثلون عن 50 دولة في سان فرانسيسكو لوضع ميثاق النظام العالمي الجديد.

كانت رؤية تلك الدول  طموحة في منع الحروب، وحماية حقوق الإنسان، ونشر العدالة الدولية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي.

ظهرت الأمم المتحدة من رحم عصبة الأمم التي فشلت في وقف الحرب، وتم تزويدها بآليات أقوى، لا سيما مجلس الأمن، المكلف بحماية السلام العالمي واتخاذ قرارات ملزمة.

في 24 أكتوبر 1945، دخل ميثاق الأمم المتحدة حيز التنفيذ، ومنذ ذلك الحين يحتفل العالم بيوم الأمم المتحدة وفي بداياتها، استبدلت المنظمة إطاراً فاشلاً  بنهج آخر أقوى وأكثر تنسيقاً للحوكمة العالمية.

يشاهد الرئيس هاري إس. ترومان والوفد الأمريكي بأكمله السيناتور توم كونالي وهو يوقع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، 26 يونيو 1945. وقوفًا، من اليسار: الرئيس ترومان؛ وزير الخارجية إدوارد ستيتينيوس جونيور؛ هارولد إدوارد ستاسن؛ شخص غير معروف؛ العميدة فيرجينيا غيلدرسليف؛ النائب تشارلز إيه. إيتون؛ النائب سول بلوم، والسيناتور آرثر فاندنبرغ. (صورة أسوشيتد برس)

لكن مع انعقاد الدورة الثمانين، يبرز السؤال وهو هل استطاعت الأمم المتحدة مواكبة متطلبات العالم المتغير؟

ولتحليل ذلك يجب معرفه أن  الأمم المتحدة ليست  كياناً واحداً، بل شبكة واسعة من الهيئات والوكالات تعمل بتكامل في جميع جوانب الحياة العالمية.

ففي قلب هذا النظام الضخم، يقع  جهازان رئيسيان  يشكلان نفوذها  وهما الجمعية العامة ومجلس الأمن. يجتمع في الجمعية العامة، التي غالبًا ما تُعرف بـ”برلمان العالم”، جميع الدول الأعضاء البالغ عددهم 193  ولكل دولة صوتها، بغض النظر عن حجمها أو قوتها.

وفي هذا المكان، تُجرى أهم المناقشات في الأمم المتحدة، ويُطرح فيها مشروع القرارات، ويُحدد فيها الاتجاه الأخلاقي والسياسي للمنظمة.

مع أن قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة قانونيًا، إلا أنها تحمل أهمية بالغة لأنها تعكس إرادة المجتمع الدولي.

يشمل عمل الجمعية قضايا السلام والأمن وحقوق الإنسان والاقتصاد العالمي، وهي تمثل منبرًا للنقاش حول قضايا متنوعة، من تغير المناخ إلى مستقبل التنمية البشرية.

أما مجلس الأمن، فهو أهم هيئة في الأمم المتحدة. يتألف من 15 عضوًا – خمسة دائمون وعشرة مؤقتون – وهو مكلف بالحفاظ على السلام والأمن الدوليين.

مجلس الأمن بخلاف الجمعية العامة، فإن مجلس الأمن هيئة دائمة يمكنها الاجتماع في أي وقت لمعالجة الأزمات، سواء عن طريق الوسائل الدبلوماسية أو العقوبات أو التدخل العسكري.

قرارات مجلس الأمن ملزمة قانونيًا لجميع الدول الأعضاء، ويتمتع بسلطة فرض تطبيقها.

لكن أبرز ما يميز مجلس الأمن، والذي يثير الجدل، هو حق النقض (الفيتو) الذي يتمتع به أعضاؤه الدائمون الخمسة.

هذه السلطة تسمح لأي منهم بمنع القرارات المهمة، مما يؤدي إلى جمود في العمل في اللحظات الحرجة.

الإنجازات والقصور والمستقبل المجهول

خلال السنوات الـ 80 الماضية، حققت الأمم المتحدة إنجازات عظيمة. فقد لعبت دورًا محوريًا في منع حرب عالمية ثالثة، ودعم معايير حقوق الإنسان الدولية، وتقديم المساعدات الإنسانية في مناطق الأزمات، وتعزيز التعاون العالمي في قضايا مثل تغير المناخ ومنع الأمراض.

مع ذلك، لا تخلو الأمم المتحدة من عيوب. فقد تعطل مجلس الأمن في كثير من الأحيان بسبب حق النقض، مما منع اتخاذ إجراءات حاسمة في أوقات الأزمات.

يُعد الإبادة الجماعية في رواندا، والكارثة الإنسانية المستمرة في غزة، والفشل في منع المجازر الجماعية، أمثلة مؤلمة على قصورها.

مع احتفال الأمم المتحدة بالذكرى الـ 80 لتأسيسها، تواجه المنظمة واحدة من أصعب المراحل في تاريخها. من الصراع الدامي في أوكرانيا إلى الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة وغيرهما من الصراعات ، فاليوم الحاجة إلى إصلاح شامل وإحياء منظومة الأمم المتحدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ويتمثل التحدي المستقبلي  في ما  ستظل الأمم المتحدة قوة فعالة وذات نفوذ في تعزيز السلام العالمي، أم أنها تحولت إلى مؤسسة بيروقراطية جامدة، متخلية عن دورها في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين والتحديات الراهنة والمستقبلية وذلك بالتزامن  مع الاحتفال بالذكرى الـ 80 لانعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة وهي لحظة حاسمة من تاريخ العالم.

ومن بين التحديات العديدة التي تواجه الأمم المتحدة بشكل خاص هي:

حرب ومأساة غزة: كارثة مستمرة تسلط الضوء على محدودية قدرة الأمم المتحدة على التدخل الفعال في حالات النزاع الطويل، وتكشف عن قصور في آليات إنفاذ قراراتها.

الحرب في أوكرانيا: فهي اختبار صارم لإرادة المجتمع الدولي، وتحدٍ للنظام الأمني القائم. فالعالم يتابع عن كثب استجابة الأمم المتحدة، التي ستحدد مستقبل تسوية النزاعات والقانون الدولي.

أزمة المناخ: هذا التحدي الوجودي الأهم للعالم يتطلب تحركاً جماعياً غير مسبوق. يجب على الأمم المتحدة أن تقود الجهود العالمية للحد من انبعاثات الكربون، وتعزيز الاستدامة، وتوفير التمويل لمكافحة آثار تغير المناخ.

أهداف التنمية المستدامة: التي كانت تُعتبر خارطة الطريق للرخاء العالمي، أصبحت تواجه تحديات. تقع على عاتق الأمم المتحدة مسؤولية استعادة زخم العمل لتحقيق هذه الأهداف الطموحة.

إصلاح مجلس الأمن: مع تغير موازين القوى العالمية، يزداد الضغط لإصلاح مجلس الأمن ليتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين. تطالب دول كثيرة بمجلس أمن أكثر شمولية وتمثيلية، يعكس التوازن الحالي للقوى، وليس النظام الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية.

وبمناسبه انعقاد هذه الدورة فقد أكد سمو ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على هامش جدول أعمال الدورة الـ 80 للجمعية العامة، دعم الكويت لجهود الأمم المتحدة لتعزيز فعاليتها، ودعم مؤتمر حل الدولتين لفلسطين.

كما التقى سموه رئيسة الجمعية العامة آنالينا بايربوك، وقدم لها تحيات الكويت ودعمها لجهودها وكان ذلك بحضور عدد من كبار المسؤولين الكويتيين.

رؤية للمستقبل: هل تستطيع الأمم المتحدة تغير نظامها؟

مع تجمع قادة العالم في نيويورك هذا الأسبوع، يحمل كل بلد آماله وتطلعاته للمستقبل. ويجمع معظمهم على ضرورة إصلاح مجلس الأمن. لا يمكن أن يبقى نظام حق النقض مجرد رهن من الماضي، يرتبط بالصراعات السياسية في الحرب الباردة. يجب أن يتحول هذا النظام، الذي كان سبباً في جمود المشهد الدولي لعقود، إلى آلية أكثر مسؤولية وإنصافاً لاتخاذ القرارات.

كما يجب على الجمعية العامة أن تجد سبلًا لتعزيز دورها في الوساطة وحل النزاعات، وتحويل نفوذها الأخلاقي إلى تأثير عملي أكبر.

وبالنسبة للأمم المتحدة ككل، فالهدف واضح  فيجب أن تثبت أنها ليست مجرد منبر للصراعات العالمية، بل آلية فعالة لحلها عن طريق الحلول الدبلوماسيه والتفاوض  أو باللجوء للذراع القانوني للأمم المتحدة وهي محكمة العدل الدوليه لحل بعض الخلافات العالقه بين الدول دون الدخول في صراعات او حروب .

يجب أن تكون الذكرى الثمانون  لتأسيسها مناسبة للتجديد والنهوض، لا للاحتفاء ببعض النجاحات. فمستقبل المنظمة لا يعتمد على بنيتها، بل على إرادة الدول الأعضاء ، وتمثل  الدورة الثمانون  بمثابة استفتاء غير مباشر حول هذه الإرادة. فهل ستستعيد الأمم المتحدة ثقة الشعوب التي أنشئت لخدمتها، والإجابة تكمن في الإجراءات والقرارات التي ستتخذ في الأيام والسنوات القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى