الأخباراقتصاد

القمة الروسية الأفريقية.. ملامح معادلة جيوسياسية جديدة تتشكل على وقع تحالفات عابرة للقارات

(تقرير) الرباط – معادلة جيوسياسية جديدة تتشكل ملامحها اليوم الأربعاء من قلب موسكو التي تستضيف قمة روسية أفريقية وسط مساع لاعادة صياغة خارطة تحالفات عابرة للقارات عبر شراكة مبنية على صيغة (رابح-رابح) وتطلعات متزايدة لتحويل التقارب السياسي بين الجانبين إلى شراكات ملموسة.

وتمثل القمة الروسية الافريقية الثالثة التي تستمر يومين فرصة سانحة أمام موسكو لكسر العزلة الغربية في وقت تتطلع فيه الدول الأفريقية نحو توظيفها لتنويع مصادر استثماراتها ودعم اقتصادها الوطني بشكل مستقل.

ويبدو أن الشراكة المبنية على صيغة ربح الطرفين لم تعد مجرد شعار سياسي بل هي ضرورة ملحة للطرفين لاسيما وأن موسكو تسعى لمد جسور نفوذها الاقتصادي والأمني إلى عمق القارة السمراء في حين تسعى العواصم الأفريقية لاقتناص التكنولوجيا وتأمين سلاسل الإمداد.

وتعقد أعمال القمة الروسية – الأفريقية تحت شعار (من أجل السلم والأمن والتنمية) بمشاركة واسعة تضم عددا من قادة الدول والحكومات في افريقيا فصلا عن عدد من ممثلي الهيئات الإقليمية.

وتأتي القمة التي تعقد بالتزامن مع المنتدى الاقتصادي والإنساني لروسيا وإفريقيا بمشاركة أكثر من 2000 ضيف في 40 جلسة نقاشية في وقت يتصاعد فيه التنافس الدولي والإقليمي على الأسواق والموارد الطبيعية ومجالات النفوذ حيث تسعى القارة السمراء إلى توظيف تعدد الشركاء الدوليين لتطوير القدرات الإنتاجية المحلية وتحسين شروط التمويل والاستثمار بدلاً من الاقتصار على تصدير المواد الأولية.

وترتكز أعمال القمة على أربعة محاور رئيسية تشمل السيادة التنمية المستدامة والتعاون الاقتصادي والمجتمعي والتكنولوجيا والابتكار مع تطلع المشاركين إلى توقيع اتفاقيات متعددة في قطاعات التجارة والاستثمار والعلوم إضافة إلى اعتماد خطة عمل مشتركة للفترة من 2027 إلى 2029

وتتصدر جدول الأعمال ملفات حيوية تمس تطلعات القارة الأفريقية وفي مقدمتها الأمن الغذائي والطاقة والتصنيع ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية إلى جانب إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز التمثيل الأفريقي في مراكز صنع القرار.

وكان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود يوسف قد شدد خلال مشاورات أجراها مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أديس أبابا في يوليو الماضي في إطار التحضير للقمة على أهمية توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا بما يدعم (أجندة الاتحاد الأفريقي 2063) ويخدم تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

وأكد الجانبان أهمية إصلاح مجلس الأمن الدولي بما يضمن تمثيلاً أكثر إنصافاً للقارة الأفريقية حيث أعلنت موسكو دعمها للموقف الأفريقي المشترك في هذا الشأن إلى جانب بحث تعزيز التعاون في مجالات السلم والأمن ودعم الحلول الأفريقية للنزاعات.

كما رحب يوسف بالاستثمارات الروسية المتنامية في إفريقيا وبالتعاون في مجالات المساعدة الإنسانية والصحة والتعليم والأمن الغذائي وبناء القدرات فيما أكد لافروف دعم بلاده إصلاح مجلس الأمن الدولي بما يضمن تمثيلا إفريقيا أكثر إنصافا في صنع القرار الدولي وفقا للموقف الإفريقي المشترك.

وشدد الجانبان كذلك على أهمية دعم الحلول الإفريقية للنزاعات وتعزيز قدرات القارة في مجال حفظ السلام وتوفير تمويل مستدام لعمليات دعم السلام التي يقودها الاتحاد الإفريقي وتحظى بتفويض من مجلس الأمن الدولي .

وتأتي هذه الأولويات في سياق دولي يتسم بتزايد التنافس على الأسواق والموارد الطبيعية ومجالات النفوذ إذ تسعى الدول الإفريقية إلى تنويع شركائها الدوليين وتحسين شروط التمويل والاستثمار مع التركيز على تطوير الإنتاج المحلي والتصنيع ونقل التكنولوجيا بدلا من الاقتصار على تصدير المواد الأولية.

من جانبها أفادت الرئاسة الروسية (كرملين) في بيان موجه للمشاركين عشية القمة بأن هذه الدورة تشكل امتدادا لمسار الشراكة الذي تأسس في قمة سوتشي (2019) وتكرس في قمة سان بطرسبرج (2023) مبينة أن موسكو تنظر إلى القارة الأفريقية بوصفها شريكا متساويا ومستقلا يرتكز التعاون معه على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

ويرى مراقبون أن القارة الافريقية لم تعد تراهن على الاصطفافات التقليدية بقدرما تسعى إلى تنويع شراكاتها بما يلبي تطلعات شعوبها في تحقيق الاستقرار والتنمية وهو ما يفسر انفتاحها على روسيا بحثا عن تحسين اوضاعها وتوفير بدائل تمويلية واستثمارية.

ويؤكد المتابعون أن الاختبار الحقيقي لنجاح القمة الروسية الافريقية يبقى مرهونا بمدى قدرة الجانبين على الانتقال من الإعلانات السياسية إلى تنفيذ مشروعات ملموسة في مجالات الأمن الغذائي والتصنيع ونقل التكنولوجيا بما يخدم المصالح المشتركة ويضمن تحقيق تنمية مستدامة. (كونا)

زر الذهاب إلى الأعلى