الأخباراقتصاد

العقوبات على إيران.. النفط والعملة والتضخم في قلب المواجهة

تدخل إيران جولة جديدة من العقوبات الأميركية وهي في وضع اقتصادي أضعف بكثير مقارنة بالجولات السابقة، ما يجعل قدرتها على تحمل الضغوط لفترة قائمة، لكن بتكلفة اقتصادية واجتماعية أكبر، في وقت تستهدف فيه واشنطن مصادر العملة الصعبة وشبكات التجارة والنفط المرتبطة بطهران.

ويرى محمد العطيفي، المحلل السياسي والاقتصادي، أن إيران لن تواجه انهياراً سريعاً نتيجة العقوبات الجديدة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في الالتفاف على العقوبات وامتلاكها ممرات للتجارة غير الرسمية وشبكات لنقل النفط، إلى جانب استمرار علاقاتها التجارية مع دول مثل الصين وروسيا والهند وباكستان، «لكن الضغوط هذه المرة تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من تراجع العملة وارتفاع التضخم والانكماش، ما يجعل تأثير العقوبات أكثر مباشرة على قدرة الشركات والمواطنين على استيراد الغذاء والدواء والوقود والمواد الخام».

وتستهدف العقوبات الأميركية الجديدة نحو 60 كياناً وشخصاً وسفينة مرتبطة بإيران، في قطاعات تشمل الطاقة النووية والصواريخ والفضاء الإلكتروني والنفط، إلى جانب شبكات في هونغ كونغ والصين، وسنغافورة، وسويسرا، وأوروبا.

كما شملت الإجراءات خمسة قطاعات لعقوبات ثانوية محتملة، هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، فضلاً عن تعليق تراخيص عامة كانت تسمح ببعض التحويلات المالية إلى إيران.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الدول ستمنح مهلة محددة لوقف الأنشطة المستهدفة، بما في ذلك إغلاق فروع البنوك الإيرانية في الخارج، محذراً من أن التعامل الاقتصادي مع إيران قد يعرض المسؤولين عنه لـ«كامل نطاق القوة الأميركية».

وتأتي هذه الإجراءات في وقت يمثل فيه النفط المصدر الرئيسي لإيران للحصول على العملة الصعبة ودعم الميزانية، ما يجعل أي قيود إضافية على صادرات الخام أو مشتريه تنعكس مباشرة على قدرة الاقتصاد الإيراني على توفير احتياجاته من العملة الأجنبية.

الصين.. شريان النفط الإيراني

تمثل الصين أحد أهم عناصر قدرة إيران على تجاوز العقوبات، باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وهو ما يفسر، بحسب العطيفي، تجنب العقوبات ضرب البنوك الصينية الكبرى بصورة مباشرة، «لكن استمرار الضغط على صادرات النفط قد يضع هذا المسار أمام اختبار أكبر، خصوصاً مع تراجع مشتريات الصين من النفط الإيراني».

ويقول المحلل السياسي والاقتصادي إن الصين كانت تستورد نحو 1.5 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، قبل أن تنخفض الكميات إلى نحو 500 ألف برميل يومياً، بما يمثل تراجعاً بنحو 66%، «فانخفاض المشتريات الصينية ينعكس بصورة مباشرة على الميزانية الإيرانية، ويزيد من صعوبة توفير العملة الأجنبية التي تحتاج إليها البلاد لدعم الريال وتمويل الواردات».


الريال والتضخم يضاعفان الضغط

ولا تقتصر المشكلة الإيرانية على انخفاض عائدات النفط، إذ تواجه البلاد ضغوطاً متزايدة على العملة والأسعار.

ويشير العطيفي إلى وصول سعر الريال إلى نحو مليوني ريال مقابل الدولار، مع تقديرات للتضخم تصل إلى 90% وانكماش اقتصادي بنحو 5%.

وتظهر حدة الضغوط في التضخم الذي بلغ نحو 66% في يوليو، فيما قفزت أسعار الغذاء بنحو 128% على أساس سنوي، ويعني ذلك تآكلاً سريعاً للأجور والمدخرات والقوة الشرائية، بما يجعل العقوبات أكثر تأثيراً على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً مع صعوبة استيراد الغذاء والدواء والوقود والمواد الخام.

العقوبات تستهدف الداخل الإيراني

ويرى العطيفي أن خطورة العقوبات الجديدة لا تتمثل فقط في الضغط على الحكومة الإيرانية، وإنما في تأثيرها على الشركات والمواطنين، وهو ما قد يخلق ضغوطاً داخلية متزايدة، «حيث تسعى واشنطن من خلال العقوبات إلى تحميل النظام الإيراني أعباء اقتصادية كبيرة، في ظل وجود انقسامات داخلية وعدم وضوح في مراكز صنع القرار».

وأضاف أن الولايات المتحدة قد تكون وصلت إلى قناعة بأن الضغوط الاقتصادية أكثر فاعلية من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، خصوصاً بعدما لم تحقق الحرب العسكرية النتائج التي كانت واشنطن تسعى إليها، «وبالتالي فإن الهدف الأميركي لا يقتصر على دفع إيران إلى تقديم تنازلات سياسية، وإنما يمتد إلى استخدام الظروف الاقتصادية لإضعاف النظام من الداخل».

طهران أمام خيار التصعيد المحسوب

في مواجهة العقوبات، يرجح العطيفي أن تتجه إيران في البداية إلى التصعيد المحسوب، قبل الانتقال إلى تقديم تنازلات محدودة إذا أصبح الضغط الاقتصادي أكثر إيلاماً.

وقد يشمل ذلك تهديد المصالح الأميركية، والضغط على حركة الملاحة وتدفقات النفط من منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب زيادة الاعتماد على الصين وروسيا لتخفيف أثر العقوبات، لكن طهران في الوقت نفسه قد تلجأ إلى تنازلات تكتيكية لتخفيف الضغوط، مثل تقييد مستوى تخصيب اليورانيوم مقابل السماح لها ببيع كميات من النفط، أو السماح بعمليات تفتيش، أو الإفراج عن أموال إيرانية، إلى جانب تهدئة التوتر في الخليج مقابل الحصول على مساحة أكبر في التجارة الدولية.

وبذلك لا يرى العطيفي أن الخيارات أمام إيران تنحصر في الاستسلام أو المواجهة، وإنما تمتلك طهران مجموعة من المسارات التي يمكن استخدامها للتكيف مع العقوبات ومحاولة تقليل تكلفتها.

هرمز يبقى ورقة ضغط

ويقول المحلل السياسي والاقتصادي إن مضيق هرمز يظل إحدى أهم الأوراق التي يمكن أن تستخدمها إيران في مواجهة الضغوط الاقتصادية، خصوصاً أن أي تصعيد يستهدف الملاحة أو تدفقات النفط في الخليج يمكن أن يرفع تكلفة العقوبات على الاقتصاد العالمي.

ويرجح العطيفي أن تستخدم طهران هذه الورقة ضمن مسار تصعيد محسوب، بدلاً من اتخاذ قرار مباشر بالعودة إلى إغلاق كامل للمضيق، خصوصاً أن مثل هذا التصعيد ستكون له تداعيات واسعة على إيران نفسها وعلى أسواق الطاقة العالمية.

العقوبات الجديدة تختلف عن الجولات السابقة

ويعتبر العطيفي أن الفارق الرئيسي بين الجولة الحالية والجولات السابقة من العقوبات الأميركية يتمثل في توقيت تطبيقها، إذ تأتي في ظل ضعف اقتصادي واضح وتراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم.

ويزيد تراجع مشتريات الصين من أهمية هذه الجولة، لأن بكين تمثل المنفذ الرئيسي للنفط الإيراني، «وبالتالي فإن انخفاض التدفقات النفطية إلى الصين من نحو 1.5 مليون برميل يومياً إلى 500 ألف برميل يومياً يعني ضغطاً مباشراً على مصدر رئيسي للعملة الأجنبية وعلى قدرة الحكومة الإيرانية على دعم الاقتصاد والريال». (CNN الاقتصادية)

زر الذهاب إلى الأعلى