الحماية من العنف الأسري في ضوء مرسوم بقانون رقم (11) لسنة 2026

بقلم المحامية / نوير العازمي – مكتب دار المحاماة
يُعد مرسوم بقانون رقم (11) لسنة 2026 بشأن الحماية من العنف الأسري خطوة تشريعية مهمة في إطار تعزيز الحماية القانونية للأسرة بوصفها اللبنة الأساسية في المجتمع، وتكريس التزام الدولة بحماية أفرادها من مختلف صور العنف الأسري، بما ينسجم مع المنظومة التشريعية الوطنية ذات الصلة، ويستجيب للتطورات العملية التي أظهرت الحاجة إلى تطوير آليات الحماية والتدخل المبكر.
وقد جاء هذا المرسوم بقانون ليؤسس إطارًا قانونيًا متكاملًا يهدف إلى تنظيم الحماية من العنف الأسري، من خلال تحديد المفاهيم الأساسية، ووضع آليات واضحة للتبليغ والتدخل، وتفعيل أدوات الحماية القانونية، إلى جانب تعزيز البعد المؤسسي في التعامل مع هذه الظاهرة، بما يضمن تحقيق الحماية الفعلية والفعالة للمعتدى عليهم.
أولًا: نطاق الحماية وأشكال العنف الأسري
عرّف المرسوم بقانون العنف الأسري بأنه كل فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بهما يصدر من أحد أفراد الأسرة تجاه فرد آخر، ويترتب عليه إلحاق أذى جسدي أو نفسي أو جنسي أو مالي. ويشمل نطاق أفراد الأسرة: الزوجين، والأقارب حتى الدرجة الثانية، وأبناء أحد الزوجين، ومن تربطهم رابطة الحضانة، والمشمولين بالحضانة العائلية.
كما حدد المشرّع صور الإيذاء على نحو دقيق، حيث يشمل الإيذاء الجسدي أي اعتداء يقع على جسم المعتدى عليه بأي وسيلة، والإيذاء النفسي كل فعل أو قول يترتب عليه ضرر نفسي، والإيذاء الجنسي باعتباره أي فعل ينطوي على اعتداء أو استغلال جنسي، إضافة إلى الإيذاء المالي الذي يتمثل في الإضرار بالأموال أو الممتلكات أو حرمان الشخص من التصرف فيها.
ويُلاحظ أن المشرّع لم يقتصر على تجريم صورة واحدة للعنف، وإنما وضع إطارًا شاملاً للحماية، مع ربط بعض صور العنف بالعقوبات المقررة في قوانين أخرى ذات صلة، بما يعكس تكامل المنظومة التشريعية.
ثانيًا: أوامر الحماية كأداة تدخل فعّالة
يُعد نظام أوامر الحماية من أبرز المستجدات التي جاء بها هذا المرسوم بقانون، إذ يمنح جهة التحقيق أو المحكمة المختصة سلطة إصدار أوامر فورية تهدف إلى حماية المعتدى عليه، وتشمل مجموعة من التدابير العملية، من بينها:
منع التعرض أو الاتصال بالمعتدى عليه أو أفراد أسرته
* إلزام المعتدي بالخروج من محل الإقامة
* تحديد محل إقامة بديل للمعتدى عليه
* تقرير نفقة مؤقتة عند الاقتضاء
* إلزام المعتدي بتكاليف العلاج
* فرض الحراسة الشرطية عند الضرورة
ويعكس هذا التنظيم تحولًا مهمًا نحو الحماية الإجرائية السريعة، التي لا تقتصر على المساءلة اللاحقة، بل تمتد إلى التدخل الوقائي الفوري لضمان سلامة المعتدى عليه.
ثالثًا: البعد المؤسسي في حماية الأسرة
لم يقتصر المرسوم بقانون على الجوانب العقابية والإجرائية، بل تبنى مقاربة مؤسسية متكاملة، تمثلت في إنشاء اللجنة الوطنية للحماية من العنف الأسري، والتي تضطلع برسم السياسات العامة، ومراجعة التشريعات، والتنسيق بين الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، واعتماد برامج التدريب والتوعية.
كما نص على إنشاء مراكز إيواء متخصصة لتقديم خدمات الحماية والرعاية، تشمل الإيواء، والدعم النفسي والاجتماعي والصحي، والمساعدة القانونية، إضافة إلى إنشاء خط ساخن ومنصة إلكترونية لتلقي البلاغات، بما يعزز سهولة الوصول إلى خدمات الحماية.
وأقر كذلك إنشاء صندوق لرعاية المعتدى عليهم، بما يضمن توفير الدعم المالي والإنساني للفئات المستهدفة، إلى جانب تطوير برامج التدريب، ونشر الإحصاءات والمؤشرات الوطنية، بما يسهم في بناء قاعدة بيانات دقيقة تساعد في رسم السياسات المستقبلية.
رابعًا: تعزيز آليات الإبلاغ والحماية القانونية
أوجب القانون على كل من علم أو شهد حالة عنف أسري الإبلاغ عنها، مع توفير حماية قانونية لمقدمي البلاغات، بما يعزز ثقافة المسؤولية المجتمعية في مواجهة العنف الأسري.
كما ألزم الجهات المختصة بإبلاغ المعتدى عليه بحقوقه القانونية وإمكانية الحصول على أوامر الحماية، مع ضمان السرية التامة للإجراءات، وإمكانية استخدام رموز تعريفية لحماية الهوية، وهو ما يعكس اهتمام المشرّع بخصوصية الضحايا وسلامتهم.
خامسًا: الأثر المتوقع على المؤشرات الدولية
ولا يقتصر أثر هذا المرسوم بقانون على تطوير الإطار الوطني للحماية من العنف الأسري، بل يمتد كذلك إلى تعزيز موقع دولة الكويت في المؤشرات الدولية المعنية بقياس البيئة القانونية والسياسات الداعمة لحماية المرأة والأسرة، ومن بينها مؤشر “المرأة وأنشطة الأعمال والقانون” الصادر عن مجموعة البنك الدولي.
إذ يبحث هذا المؤشر في جانب السلامة والحماية عن مدى وجود تشريع خاص بالعنف الأسري، وشموله لمختلف صور العنف، وتوفير أوامر الحماية، وآليات الإبلاغ، والمساعدة القانونية، ومراكز الإيواء، والخدمات الصحية والنفسية، إضافة إلى وجود إطار مؤسسي واضح لمتابعة التنفيذ.
ومن ثم، فإن إبراز هذه العناصر في القانون الكويتي الجديد يعكس تطورًا تشريعيًا ومؤسسيًا مهمًا، وقد يسهم – متى ما تم تفعيل أدواته التنفيذية بصورة كاملة – في تحسين قراءة التجربة الكويتية ضمن المؤشرات والتقارير الدولية ذات الصلة.
في الختام
يمثل مرسوم بقانون رقم (11) لسنة 2026 تطورًا تشريعيًا مهمًا في منظومة الحماية من العنف الأسري، إذ جمع بين الحماية القانونية والتدخل المؤسسي والوقاية المجتمعية في إطار واحد متكامل. غير أن فعالية هذا القانون ستظل مرهونة بمدى كفاءة تفعيل آلياته التنفيذية، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يضمن تحقيق الغاية الأساسية منه وهي حماية الأسرة وصون كرامة أفرادها.
وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى هذا التشريع بوصفه ليس فقط أداة قانونية للردع والحماية، بل أيضًا خطوة تنظيمية تعكس توجهًا تشريعيًا حديثًا نحو بناء منظومة متكاملة لحماية الأسرة، وتعزيز مكانة دولة الكويت في المجالات القانونية والإنسانية على المستويين الإقليمي والدولي.





