
بقلم القبطان الدكتور/ عبدالأمير الفرج
تمثل أزمة باب المندب تهديدًا مباشرًا للمصالح الملاحية والاقتصادية الخليجية، رغم وقوع المضيق خارج الخليج جغرافيًا. فلم يعد باب المندب ممرًا بعيدًا عن الحسابات الاقتصادية والأمنية لدول مجلس التعاون، بل أصبح جزءًا أساسيًا من شبكة التجارة والطاقة التي تربط موانئ الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
وتكشف التطورات الأخيرة في اليمن والبحر الأحمر أن الخطر لا يرتبط فقط باحتمال إغلاق المضيق بالكامل، وإنما أيضًا بارتفاع مستوى عدم اليقين الملاحي المحيط به. فالتحركات العسكرية للحوثيين على الساحل اليمني والجزر القريبة من باب المندب، بالتوازي مع الهجمات والتهديدات التي تعرضت لها الملاحة، دفعت شركات الشحن والتأمين والطاقة إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالعبور في المنطقة.
ويظهر الأثر الاقتصادي سريعًا. فعندما ترى شركات الملاحة أن العبور عبر البحر الأحمر لم يعد آمنًا بالدرجة الكافية، يصبح أمامها خياران كلاهما مكلف: الاستمرار في العبور مع تحمل مخاطر وأقساط تأمين إضافية، أو تغيير المسار حول رأس الرجاء الصالح.
والخيار الثاني يعني رحلات أطول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وزيادة زمن تشغيل السفينة في الرحلة، فضلًا عن اضطراب الجداول الزمنية للموانئ وسلاسل الإمداد. أما الخيار الأول، فقد أصبحت كلفته واضحة في سوق التأمين البحري؛ إذ ارتفعت أسعار التأمين ضد مخاطر الحرب للرحلات في جنوب البحر الأحمر، عقب التصعيد في يوليو 2026، من نحو 0.3% من قيمة السفينة إلى أكثر من 1%، ووصلت في بعض الرحلات القريبة من السواحل اليمنية إلى مستويات أعلى بكثير.
وعلى سفينة تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات، يمكن أن تعني هذه النسب مئات الآلاف، بل ملايين الدولارات من التكاليف الإضافية للرحلة الواحدة.
وهنا تكمن المشكلة بالنسبة إلى الخليج: تكلفة باب المندب لا تتوقف عند باب المندب.
فالزيادة في كلفة التأمين والشحن لا تتحملها شركة الملاحة وحدها، وإنما تنتقل تدريجيًا عبر سلسلة التجارة إلى المستورد والمصدر وشركات الخدمات اللوجستية، وقد تنعكس في النهاية على أسعار السلع والعقود التجارية. كما يؤدي اضطراب الممرات البحرية إلى إعادة توزيع السفن والحاويات والطاقة الاستيعابية بين الخطوط العالمية، وبالتالي قد تتأثر الموانئ الخليجية حتى عندما لا تكون السفينة نفسها متجهة إلى البحر الأحمر.
ولهذا، فإن النظر إلى الأزمة باعتبارها مجرد تهديد أمني في البحر الأحمر يقلل من حجمها الحقيقي. نحن أمام مخاطر تمس سلسلة الإمداد الخليجية، تبدأ من الأمن البحري، لكنها قد تنتهي عند كلفة التجارة، والتضخم، والقدرة التنافسية للموانئ، واستقرار عقود التوريد والتصدير.
ويزداد الخطر عندما تتعرض أكثر من نقطة اختناق بحرية للضغط في الوقت نفسه. فالاقتصاد الخليجي يرتبط شرقًا بمضيق هرمز وغربًا بباب المندب وقناة السويس. وأي اضطراب متزامن في هذه المسارات يقلل من المرونة المتاحة أمام دول المنطقة وشركاتها لاستخدام مسار بديل، ويجعل أمن خطوط التجارة والطاقة قضية اقتصادية استراتيجية، وليس مجرد مسألة تتعلق بحماية السفن.
ومن هنا، يصبح المطلوب خليجيًا الانتقال من إدارة الحوادث البحرية إلى إدارة المخاطر البحرية بصورة استباقية.
فعلى المستوى الدولي، تستطيع دول مجلس التعاون تعزيز تحركها الدبلوماسي والقانوني داخل الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية للدفاع عن حرية الملاحة وسلامة السفن التجارية وأطقمها. وفي هذا السياق، يأتي قرار مجلس الأمن رقم 2812 لعام 2026، المتعلق بالبحر الأحمر، والذي مدد آلية التقارير إلى مجلس الأمن بشأن هجمات الحوثيين على السفن التجارية.
كما أكدت المنظمة البحرية الدولية خلال عام 2026 ضرورة الحفاظ على حقوق وحريات الملاحة وفقًا للقانون الدولي، وشددت على أن حق المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية يجب ألا يتعرض للتهديد أو الإعاقة أو التعطيل. وأدانت المنظمة الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة إجراء مشغلي السفن تقييمًا شاملًا للمخاطر قبل العبور في المناطق المتأثرة.
لكن التحرك الدولي وحده لا يكفي.
فالخليج يحتاج أيضًا إلى منظومة أمن بحري ومعلوماتي أكثر تكاملًا، تربط الموانئ والسلطات البحرية وشركات الطاقة والنقل ومراكز إدارة المخاطر، وتسمح بتبادل البيانات المتعلقة بحركة السفن ومستويات التهديد والإنذارات الأمنية والتغيرات في كلفة التأمين والمسارات البديلة بصورة سريعة ومنظمة.
ويمكن كذلك تطوير نموذج خليجي مشترك لتقييم المخاطر البحرية، بدلًا من أن تعمل كل شركة أو ميناء أو دولة بصورة منفردة في مواجهة أزمة ذات طبيعة إقليمية. فكلما زادت القدرة على مشاركة المعلومات والإنذار المبكر، أصبحت الموانئ وشركات الشحن الخليجية أكثر قدرة على اتخاذ القرار قبل تحول الخطر الأمني إلى خسارة تشغيلية واقتصادية.
أما على المدى الطويل، فإن الأزمة تعيد طرح ضرورة تسريع مشروعات تنويع ممرات التصدير والنقل، وزيادة الربط بين الموانئ الخليجية وشبكات السكك الحديدية والممرات البرية والمناطق اللوجستية. والهدف هنا ليس استبدال النقل البحري، وهو أمر غير واقعي، وإنما بناء بدائل تستطيع تخفيف أثر أي تعطل مفاجئ في أحد الممرات البحرية الرئيسية.
وفي الوقت نفسه، يمكن دراسة إنشاء آلية خليجية للتعامل مع الارتفاعات الاستثنائية في كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب البحرية، سواء من خلال ترتيبات للضمان أو إعادة التأمين بالتعاون مع أسواق التأمين وإعادة التأمين الدولية. ولا يعني ذلك نقل المخاطر التجارية الخاصة إلى الحكومات، وإنما الاستفادة من الحجم الاقتصادي الجماعي لدول الخليج للتفاوض على حلول تأمينية أكثر كفاءة عندما تصبح أقساط الحرب عاملًا يؤثر في تنافسية الصادرات والتجارة الإقليمية.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالعقود البحرية والتجارية نفسها.
فالموانئ والشركات الخليجية بحاجة إلى مراجعة العقود طويلة الأجل، خصوصًا ما يتعلق ببنود القوة القاهرة، ومخاطر الحرب، وتغيير المسار، وتكاليف الوقود الإضافية، وتأخير التسليم، وتوزيع الزيادة في أقساط التأمين. فالأزمة البحرية لم تعد حدثًا استثنائيًا يمكن التعامل معه فقط بعد وقوعه، وإنما أصبحت مخاطرة ينبغي احتسابها منذ مرحلة التفاوض وصياغة العقد وتوزيع المسؤوليات بين أطرافه.
والرسالة الأهم هي أن المسافة الجغرافية لم تعد معيارًا كافيًا لقياس الخطر الاقتصادي.
فباب المندب قد يقع خارج الحدود الجغرافية لدول مجلس التعاون، لكنه يقع في قلب شبكة مصالحها التجارية وممرات طاقتها. وكل يوم من الاضطراب في هذا الممر يمكن أن يظهر لاحقًا في صورة فاتورة شحن أعلى، أو عقد توريد متأخر، أو قسط تأمين إضافي، أو ضغط على أسعار الطاقة والسلع.
ولهذا، فإن حماية المصالح الخليجية المرتبطة بباب المندب لا تبدأ فقط عند مدخل المضيق، بل تبدأ من الموانئ والعقود وشركات التأمين ومراكز المعلومات وخطط الطوارئ والممرات البديلة.
وفي عالم تستطيع فيه نقطة اختناق بحرية واحدة نقل أثر أزمة أمنية محلية إلى الأسواق العالمية خلال وقت قصير، فإن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج ليس منع كل أزمة بحرية، فهذا قد لا يكون ممكنًا، وإنما بناء منظومة تجعل التجارة والطاقة الخليجية أكثر قدرة على الاستمرار عندما تقع الأزمة.
باب المندب، إذن، ليس تهديدًا بعيدًا عن الخليج، بل اختبار لقدرة دوله على تحويل أمن الملاحة من رد فعل على الأزمات إلى عنصر دائم في استراتيجيتها





