آراء حرة

الكويت وفرنسا شراكة استراتيجية  وإرث يبنى للأجيال القادمة

بقلم : طارق يوسف الشميمري

تُشكّل الزيارة الرسمية لصاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح إلى الجمهورية الفرنسية يوم الأحد 13 يوليو2025 محطةً تاريخيّه في العلاقات بين البلدين الصديقينوتُبرز هذه الزيارة الروابط الدبلوماسية المتينة والتعاون والتنسيق المستمر بين دولة الكويت والجمهورية الفرنسية ، وتأتي في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تحولاتٍ جيوسياسيةً واقتصاديةً عميقة.

تُجسّد زيارة سمو الأمير، التي تتزامن مع احتفالات الذكرى الـ 236 ليوم الباستيل، العيد الوطني الفرنسي، الشراكةَ والثقةَ والتضامنَ بين الأجيال، والتي تتجاوز الحدود الجغرافيةكما تعكس الزيارة تطلعات الجانبين إلى تعزيز العلاقات الثنائية والتغلب على التحديات في مختلف المجالات، وبناء إرثٍ من التعاون والرؤية المشتركة للأجيال القادمة.

خلال الزيارة، من المقرر أن يشهد سمو الأمير والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات مختلفةوتُعدّ فرنسا مستثمرًا رئيسيًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل والصحة ومستحضرات التجميل في دولة الكويت، حيث يُشكّل عدد الشركات الفرنسية العاملة في الكويت ما يقرب من نصف إجمالي الشركات الأوروبية.

ترتكز العلاقات الدبلوماسية بين الكويت وفرنسا على الاحترام المتبادل والمصالح الاستراتيجية والالتزام المشترك بالسلام والأمن الدوليينوعلى مر العقود، تطورت العلاقات الثنائية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، مما أدى إلى شراكة مستمرة في التطور.

كانت فرنسا من أوائل الدول الغربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع دولة الكويت، حيث اعترفت رسميًا بالبلاد بعد فترة وجيزة من استقلالها وأرسلت مبعوثًا إلى الكويت في أغسطس 1961، وأقامت العلاقات الدبلوماسية رسميًا في عام 1967. وقد أرسى هذا الاعتراف المبكر الأساس لعلاقة طويلة الأمد مبنية على الثقة والتعاون والصداقة التي صمدت أمام الاختبارات على مر العقود.

من أهم اللحظات الفارقة في العلاقات الكويتية الفرنسية تلك التي شهدها الغزو العراقي لدولة الكويت عام ١٩٩٠كانت فرنسا عضوًا رئيسيًا في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت عام ١٩٩١ في إطار عملية عاصفة الصحراءنشرت فرنسا قوات ومعدات عسكرية، معبرةً عن دعمها القوي لسيادة دولة الكويت والقانون الدوليوقد عزز هذا الموقف الداعم المحوري من فرنسا العلاقات الثنائية بشكل ملحوظ، وكسب الجمهورية الفرنسية سمعة طيبة لدى المواطنين الكويتيين.

بعد تحرير دولة الكويت، لعبت فرنسا دورًا فعالًا في جهود إعادة الإعمار وتعزيز التعاون العسكريواليوم، تنظر الكويت إلى فرنسا كحليف استراتيجي في دفاعهاولا تزال المعدات الدفاعية الفرنسية عنصرًا أساسيًا في أنظمة الأسلحة المتطورة في الكويت، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والمركبات المدرعة وأنظمتها المدفعية.

توطدت العلاقات الاستراتيجية في مجال الدفاع من خلال عدة معاهدات للتدريب العسكري والمناورات المشتركة، بالإضافة إلى تبادل الخبرات الفنية .

وفي السنوات الأخيرة، دعمت فرنسا جهود تعزيز الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، منسجمة مع جهود الكويت كوسيط وفاعل إنساني في الشرق الأوسط.

حافظت دولة الكويت والجمهورية الفرنسية على علاقات اقتصادية متينة، لا سيما في قطاعات الطاقة والدفاع والبنية التحتية والسلع الفاخرةولشركات فرنسية مثل توتال إنرجي وإيرباص عملياتٌ طويلة الأمد في الكويتكما استثمرت الكويت، من خلال صندوقها السيادي – الهيئة العامة للاستثمار الكويتية – استثماراتٍ كبيرة في فرنسا، لا سيما في قطاعات العقارات والتمويل والصناعة.

ساهم المنتدى الاقتصادي الفرنسي الكويتي والاتفاقيات الثنائية المتنوعة في تسهيل التبادل التجاري والاستثماري والتكنولوجي بين البلدينوتعززت هذه الشراكة الاقتصادية مؤخرًا بمشاركة الكويت في مؤتمر رؤية الخليج 2025″، الذي رعاه الرئيس ماكرون، وكان بمثابة منتدى لتبادل الرؤى الاقتصادية التي تُسهم في مشاريع ملموسة، واستكشاف فرص جديدة في مجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الذكيةتُصدر فرنسا ما يقارب مليار دولار أمريكي سنويًا إلى الكويت، وتتمثل صادراتها بشكل رئيسي في الآلات الصناعية والصلب والمعدات الطبية والبلاستيك والمركباتأما صادرات الكويت لفرنسا فتبلغ حوالي 17 مليون دولار، وتتركز معظمها في البلاستيك والمعادن النفيسة.

فرنسا مستثمر رائد في الكويت، حيث تركز التبادلات التجارية بين البلدين على الطاقة والتكنولوجيا والتوافق؛ والتعاون في تطوير المطارات؛ والتعاون في مجال الطاقة المتجددة، بما في ذلك الهيدروجين الأخضروتحرص الكويت على تنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على النفط من خلال الاستثمار الفرنسي في المجالات الإبداعية والرقمية، حيث تستفيد فرنسا من الريادة المالية الكويتية، وتستفيد دولة الكويت من التقنيات والخبرات الفرنسية المبتكرة.

في قطاع الصحة، زار وفد من جامعة نيس دولة الكويت وأجرى محادثات مع الجهات الصحية المعنية لتعزيز التعاون وتبادل الخبراتومؤخرًا، في فبراير من هذا العام، وقّع وزير الصحة الدكتور أحمد العوضي مذكرة تفاهم مع مستشفى غوستاف روسي لافتتاح مركز غوستاف روسي للطب الدقيق في الكويت هذا العام؛ بهدف تحسين ممارسات الرعاية الصحية وتدريب الكوادر؛ وتطوير برامج بحثية مشتركة.

يتجلى تأثير فرنسا أيضًا في المشهد الثقافي الكويتي حيث يُعزز المعهد الفرنسي في دولة الكويت اللغة والثقافة الفرنسية من خلال دورات اللغة والتبادلات الفنية والبرامج الأكاديميةتُعدّ اللغة الفرنسية ثالث أكثر اللغات انتشارًا في الكويت بعد العربية والإنجليزيةويلتحق العديد من الطلاب الكويتيين بالتعليم العالي في فرنسا، بينما تعمل المؤسسات التعليمية الفرنسية في الكويت.

لقد كانت الدبلوماسية الثقافية بمثابة أداة قوة ناعمة في تعزيز العلاقات بين الشعوب، حيث تعمل المعارض ومهرجانات الأفلام ومبادرات التراث على إثراء التفاهم الثنائي.

تتميز العلاقات الكويتية الفرنسية بالثقة والتعاون والقيم المشتركةوتستند هذه الشراكة إلى تضامن تاريخي وتوافق استراتيجي، وتتوسع في مجالات جديدة، بما في ذلك الطاقة المتجددة والابتكار والتنمية المستدامةومع تطور التحديات العالمية، يظل البلدان ملتزمين بالعمل معًا لتعزيز السلام والازدهار والاحترام المتبادل على الساحة الدولية.

زيارة سمو الأمير إلى فرنسا ليست زيارة عابرة، بل تُمثّل محطةً تُبشّر ببداية عقد جديد من الالتزاموتتجسد روابط الصداقة الراسخة، القائمة على الاحترام المتبادل والثقة والتجارب المشتركة، في إنجازات ملموسة على أرض الواقع، وتُعدّ نموذجًا يُحتذى به للشراكة.

زر الذهاب إلى الأعلى