
(CNN) — مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، تفوح رائحة الياسمين في حقول الريف المصري، حاملةً عبقًا يداعب الحواس ويبعث السكينة في النفس. إلا أنّ خلف هذا العطر الآسر حكاية لا تبدأ في زجاجات أفخم العطور العالمية، بل بين أيدٍ تستيقظ في جوف الليل لتقطف الزهور واحدة تلو الأخرى.
وفي مصر، الياسمين ليس مجرد نبات عطري أو مورد اقتصادي مهم، إنما يجسد إرثًا زراعيًا واجتماعيًا تناقلته الأجيال، ويروي قصة مجتمع بأكمله ارتبطت حياته بهذه الزهرة، من زراعتها وحصادها قبل شروق الشمس حتى تحويلها إلى قطرات ثمينة من الزيت العطري تفوح رائحته إلى أنحاء العالم.

وفي قرية شبرا بلولة بمحافظة الغربية، التي تعرف بأنها القلب النابض لزراعة الياسمين في مصر، يتجسّد هذا الإرث بوضوح.
تنتج القرية خلال موسم الذروة نحو 10 أطنان من أزهار الياسمين يوميًا، فيما تسهم مصر بما يتراوح بين 60 و65% من الإنتاج العالمي لعجينة الياسمين، ما يجعلها واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدّرة لهذه المادة التي تدخل في صناعة أشهر العطور العالمية، ويذهب الجزء الأكبر منها إلى أوروبا، لا سيما فرنسا، بحسب الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

واختارت المصورة المصرية أسماء التوني أن توثق هذا الموسم، ليس فقط لرصد جمال الحقول، وإنما لكشف القصة الإنسانية التي تسبق وصول رائحة الياسمين إلى زجاجات العطور الفاخرة.
وأوضحت التوني لموقع CNN العربية، أنّ الفضول كان الدافع الأول وراء رحلتها إلى شبرا بلولة. قالت: “دفعني الفضول لاكتشاف القصة التي تبدأ قبل أن تصل رائحة الياسمين إلى زجاجات أفخم العطور في العالم. قليلون يعلمون أنّ مصر تعد من أكبر منتجي الياسمين المستخدم في صناعة العطور، وأن قرية شبرا بلولة بمحافظة الغربية تنتج نسبة كبيرة من هذا المحصول الذي يدخل في صناعة أشهر العطور العالمية”.
وتابعت: “أردت توثيق الإنسان الذي يقف خلف هذه الصناعة؛ المزارع الذي يبدأ يومه قبل الفجر ليجمع زهورًا تتحوّل لاحقًا إلى قطرات قليلة من الزيت العطري الثمين”.
ويمتد موسم حصاد الياسمين في مصر عادة من منتصف أبريل/نيسان أو يونيو/حزيران وحتى نوفمبر/تشرين الثاني أو ديسمبر/كانون الأول، ويبدأ العمل يوميًا في ساعات الليل المتأخرة، إذ تتفتح الأزهار بالكامل ليلًا وتبلغ رائحتها ذروتها قبل شروق الشمس، لذلك يحرص المزارعون على قطفها بين الثانية صباحًا والتاسعة أو العاشرة صباحًا.
وأشارت التوني إلى أنّ أكثر ما لفت انتباهها أنّ الحصاد ليس مجرد عمل زراعي، بل مناسبة تعيشها الأسرة بأكملها.
وأضافت: “يبدأ اليوم عند حوالي الثانية صباحًا، حيث يخرج الجميع إلى الحقول في الظلام لجمع أزهار الياسمين قبل شروق الشمس، ويستمر العمل حتى التاسعة أو العاشرة صباحًا. ورغم مشقة العمل، وجدت حفاوة كبيرة من كثير من الأهالي، فقد دعانا بعضهم لتناول الإفطار في منازلهم، بينما أصر آخرون على أن نشاركهم كوبًا من الشاي وسط الحقول”.
وأكدت أنها احترمت رغبة بعض المزارعين الذين فضّلوا عدم الظهور أمام الكاميرا حفاظًا على خصوصية أسرهم، مؤكدة أنّ بناء الثقة مع المجتمع المحلي جزء أساسي من أي تجربة توثيقية.
وعلى المستوى الشخصي، وصفت التوني التجربة بأنها من أكثر التجارب قربًا إلى قلبها، قائلة: “قبل أن أصل إلى الحقول، كانت رائحة الياسمين قوية وفواحة، ومع نسيم الصباح كانت الرائحة تملأ المكان بطريقة آسرة. وعندما يبدأ الضباب في الانقشاع فوق الزروع تدريجيًا، شعرت أنني أقف داخل لوحة طبيعية بديعة”.
مع ذلك أشارت إلى أنّ هذه الصورة الساحرة تخفي وراءها ساعات طويلة من العمل الشاق، مضيفة: “رأيت الوجه الآخر للقصة؛ ساعات طويلة من العمل اليدوي والانحناء المستمر لجمع الزهور. وبقيت بعض الجمل عالقة في ذهني عندما أخبرني بعض المزارعين أنهم لم يعودوا يميزون رائحة الياسمين، لأنها أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية”.
ووصفت التوني مشاهد الحقول بأنها مزيج من السكون والجمال والعمل الدؤوب، حيث يمتزج هدوء الليل بنسيم الفجر المحمل برائحة الياسمين، بينما يغطّي الضباب الحقول وتصدح أصوات رافعات المياه التي تروي الأراضي الزراعية، في الوقت الذي تنحني فيه عشرات الأيدي بصمت لقطف الزهور واحدة بعد أخرى.
كما لفت انتباهها انتشار أشجار النارنج بجوار كثير من حقول الياسمين، في مشهد يجمع بين اثنين من أهم النباتات المستخدمة في صناعة العطور.
ورغم جمال التجربة، واجهت المصورة تحديات عدة، أبرزها التصوير قبل شروق الشمس وسط ضباب كثيف وإضاءة محدودة، إلى جانب صعوبة الحركة داخل الأراضي الرطبة وغير المستوية.
وأوضحت: “أما التحدي الأهم فكان التعامل مع الناس باحترام وثقة، فالتوثيق الحقيقي لا يقتصر على التقاط صورة جميلة، بل يبدأ باحترام خصوصية من لا يرغب بالظهور، وبناء علاقة إنسانية مع المجتمع المحلي”.
وبعد انتهاء الحصاد، تسلّم الأزهار إلى المصانع أو مراكز التجميع لاستخلاص الزيت العطري الذي يُصدر إلى مختلف أنحاء العالم، ويستخدم في إنتاج أشهر دور العطور العالمية.
وتأمل التوني أن يحمل مشروعها الفوتوغرافي رسالة تتجاوز جمال الصورة: “أتمنى أن يرى الناس ما وراء كل جميل من كد وتعب، كزهرة الياسمين؛ هذه الزهرة التي تتحول إلى قطرات قليلة من الزيت العطري، تبدأ رحلتها من أيدٍ تعمل قبل شروق الشمس كل يوم بجد واجتهاد وصبر لتمنح العالم قدرًا من الجمال والعطر الذي يدخل في أرقى الصناعات في العالم، وتؤكد أنه لا حصاد من دون مشقة”.
وأضافت أنها تأمل أيضًا أن تسهم هذه القصة في تسليط الضوء على أهمية صناعة الياسمين بالنسبة لمصر، وأن ينعكس تطوّرها بصورة أفضل على حياة المزارعين الذين يحافظون على هذا الإرث جيلاً بعد آخر.





