الأخبارأخبار عربية ودولية

مسؤول الطاقة في إدارة ترامب: واشنطن ترى نموذجاً أمنياً جديداً في الشرق الأوسط

بعد ثمانية عشر شهراً من حرب أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية، يقول المسؤول المشرف على أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للطاقة إن الصراع على نفط الشرق الأوسط لم يعد يتعلق فقط بحجم الإمدادات، بل أيضاً بالمسارات التي تنقلها إلى الأسواق.

وقال جارود آغن، رئيس مجلس الهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة: «علينا تقليل الاعتماد على المضيق».

وأضاف: «عندما اضطرت أوروبا إلى الاستغناء عن الغاز الروسي، بحثنا في ممرات مختلفة لإيصال الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا ليحل محل الغاز الروسي، ونريد تطبيق نظام مماثل في الخليج».

وفي حديثه على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال آغن لبرنامج «On the Record» إن الهدف هو بناء شبكة من المسارات البديلة، بحيث لا يمكن تعطيلها جميعاً في وقت واحد.

وأوضح أن ذلك يعني إيجاد «عدة مسارات وممرات مختلفة، سواء من الشرق إلى الغرب، أو عبر تجاوز المضيق، أو من خلال تركيا وصولاً إلى البحر المتوسط»، مشيراً إلى أن الإمارات والسعودية ستكونان شريكين رئيسيين للولايات المتحدة في هذا التوجه.

وتساءل آغن: «كيف يمكننا إنشاء مسارات بديلة تتجاوز مسار الالتفاف الحالي، بحيث لا يمكن مهاجمة طريق واحد وتعطيل التقدم بأكمله؟».

وأضاف: «الشخص الوحيد القادر على قيادة ذلك هو الرئيس ترامب، فهو القادر على جمع الجميع حول الطاولة والوصول إلى اتفاق». 

هرمز.. من ممر للنفط إلى معضلة أمنية

منذ اندلاع الحرب مع إيران في 27 فبراير 2026، شهد خام برنت تقلبات حادة، إذ ارتفع من نحو 72 دولاراً للبرميل إلى ذروة قاربت 120 دولاراً، قبل أن يتراجع إلى أقل من 70 دولاراً بحلول منتصف الصيف.

وبحلول منتصف سبتمبر، عاد النفط للتداول فوق مستوى 104 دولارات للبرميل، مع تجدد الهجمات على السفن والبنية التحتية للطاقة، ما بدد جزءاً من التحسن الذي تحقق في وقت سابق.

وفي الوقت نفسه، انهارت حركة المرور عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية، بنحو 95%، من أكثر من 100 سفينة يومياً إلى خمس سفن فقط في بعض الأيام.

كما ارتفعت تكلفة التأمين ضد مخاطر الحرب بالنسبة إلى ناقلات النفط التي تحاول عبور المضيق إلى ملايين الدولارات للرحلة الواحدة.

وفي الولايات المتحدة، انعكست هذه التطورات على المستهلكين، إذ ارتفعت أسعار الوقود في محطات التعبئة إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023.

المشكلة الأكبر ليست النفط.. بل التكرير

وعندما سُئل آغن عن المشهد الحالي لقطاع الطاقة، لم يبدأ بالحديث عن عدد البراميل المتاحة، وإنما عن إحدى أهم نقاط الاختناق في المنظومة: قدرات التكرير.

وقال: «أهم نقطة اختناق عالمياً هي التكرير، طاقة التكرير هنا في الولايات المتحدة تعمل بنسبة 100%، لقد وصلنا إلى الحد الأقصى».

وأشار إلى الاختلال في قدرات التكرير عالمياً، قائلاً: «قدرات التكرير في روسيا منخفضة بنسبة تتراوح بين 30 و40%، فيما لا تزال الصين تمتلك مجالاً لزيادة عمليات التكرير والصادرات».

لكن التحول الأعمق، بحسب آغن، ليس تقنياً بقدر ما هو استراتيجي، إذ يرى أن خريطة الطاقة في الشرق الأوسط تغيرت بصورة دائمة.

وقال: «إذا لم تكن لديك إمدادات طاقة خاصة بك تستطيع الاعتماد عليها، فإن ذلك يؤثر في كل شيء، الأمر لا يتعلق باقتصادك فقط، بل بأمنك القومي، وحتى بسياستك الخارجية بأكملها».

مليارات الدولارات لإعادة رسم طرق الطاقة

وعندما سُئل عن تكلفة بناء هذه المسارات البديلة، لم ينكر آغن ضخامة الاستثمارات المطلوبة.

وقال: «نعم، الالتزام المطلوب في البنية التحتية سيصل إلى مليارات الدولارات، لكن انظروا إلى الفوائد على المدى الطويل».

وعند مطالبته بوضع رقم لما يمكن وصفه بـ«علاوة أمن الطاقة» الجديدة، أعاد آغن صياغة المسألة قائلاً: «يكاد يكون من المستحيل حسابها، لأن أمن الطاقة هو الأمن القومي».

وتأتي هذه الاحتياجات الجديدة فوق فجوة استثمارية كان قطاع الطاقة يعاني منها حتى قبل اندلاع الحرب.

فقد قدّر محللون في منتدى الطاقة الدولي وS&P Global أن الإنفاق السنوي المطلوب على قطاع الاستكشاف والإنتاج حتى عام 2030 يتراوح بين 400 و640 مليار دولار، مقارنة بذروة بلغت 483 مليار دولار في عام 2019.

وهذه الاستثمارات مطلوبة فقط لتعويض تسارع معدلات تراجع الإنتاج من الحقول القائمة، قبل احتساب أي دولار إضافي سيُنفق على خطوط أنابيب تتجاوز نقاط الاختناق، أو منشآت التخزين، أو ممرات التصدير البديلة من الخليج.

وتشير رؤية آغن إلى أن الحرب أضافت تكلفة أمنية جديدة فوق هذه الاحتياجات الاستثمارية الأساسية؛ إذ قد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى الإنفاق على بنية تحتية لا تهدف بالضرورة إلى زيادة الإمدادات، وإنما إلى حماية القدرة على تصديرها من أي اضطراب مقبل.

فنزويلا بدلاً من الشرق الأوسط.. «مركز عالم الطاقة»

كان آغن أكثر وضوحاً عند الحديث عن الرهان الاستراتيجي الأساسي للإدارة الأميركية: أن يصبح النصف الغربي من الكرة الأرضية، وليس الخليج، نقطة ارتكاز أمن الطاقة العالمي.

وقال: «الرئيس جعل النصف الغربي من الكرة الأرضية مركز عالم الطاقة».

وأضاف: «المركز ليس في الشرق الأوسط، وليس في الشرق، إنه في النصف الغربي من الكرة الأرضية، من ألاسكا وصولاً إلى الأرجنتين، نحن نطلق إمكانات الطاقة الأميركية، ونطلق إمكانات الطاقة الفنزويلية».

وأشار آغن إلى اتفاق جديد مع كاراكاس باعتباره أوضح دليل على هذا التوجه.

وقال: «هذا الاتفاق المذهل الذي أبرمه الرئيس مع فنزويلا، والذي نفتح بموجبه الآن 17 حقلاً رئيسياً إضافياً، أصبحت الولايات المتحدة من خلاله في شراكة مع فنزويلا».

ووصف آغن الاتفاق بأنه «أكبر صفقة نفطية في تاريخ الولايات المتحدة»، مضيفاً: «هذا يبعث برسالة إلى العالم».

وعندما سُئل عما إذا كان ذلك يعني تراجع أهمية منظمة أوبك، تجنب تبني هذا الوصف مباشرة، لكنه قال: «ما يعنيه ذلك هو أننا أصبحنا أكثر أهمية».

لا «تحول في الطاقة» بل «إضافة للطاقة»

وفي حديثه عن سياسات الطاقة الأوروبية، تبنى آغن موقفاً حاداً تجاه فكرة الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وأشار إلى أن اجتماعاً حديثاً لوزراء الطاقة في مجموعة العشرين في هيوستن أظهر، من وجهة نظره، تحولاً في النقاش بعيداً عن أهداف المناخ باتجاه أمن الإمدادات والقدرة على تحمل تكاليف الطاقة وموثوقيتها.

وقال: «لم يكن هناك الكثير من الحديث عن صافي الانبعاثات الصفري، كان الحديث يدور أكثر حول أمن الطاقة، والقدرة على تحمل تكلفتها، والحصول على طاقة موثوقة».

وأشاد ببولندا وإيطاليا لاستثمارهما في قدرات استيراد الغاز الطبيعي المسال وتخزينه.

لكنه رفض فكرة الاستغناء الكامل عن الوقود الأحفوري، قائلاً: «كل هذا الحديث عن تحول الطاقة لا معنى له، ما يحدث هو إضافة مصادر للطاقة».

وأضاف: «الغاز الطبيعي سيظل مصدراً آمناً، والطاقة النووية ستكون كذلك. هذه هي المجالات التي ينبغي لهم الاستثمار فيها، وليس توربينات الرياح ومشروعات الطاقة الشمسية».

زيادة التكرير لخفض أسعار الوقود

وعندما سُئل مباشرة عن ارتفاع أسعار الوقود التي يدفعها الأميركيون، انتقل آغن إلى الحديث عن السياسة الداخلية، مقارناً نهج إدارة ترامب بالإدارات والسياسات السابقة التي اتهمها بتقييد المعروض.

وقال: «في السابق، حاولت كاليفورنيا وغافين نيوسوم وجو بايدن إغلاق مصافي التكرير في الولايات المتحدة، وهذه هي النتيجة عندما تحاول إغلاق المصافي».

وأضاف: «نحن نفعل العكس، نستدعيهم ونسألهم عما يحتاجون إليه».

وقال آغن إن الإدارة تدرس استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لتسريع تمويل قدرات التكرير.

وأضاف أن الأمر قد يستغرق «أسابيع وأشهراً لإدخال المزيد من طاقة التكرير إلى الخدمة»، بالتوازي مع تخفيف القيود التنظيمية على غرار التراجع عن بعض القيود المطبقة في كاليفورنيا.

وقال: «إذا استطعنا طرح المزيد من المنتجات المكررة في السوق، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض الأسعار».

وقد تحدد قدرة الإدارة على تنفيذ ذلك ضمن الجدول الزمني الذي تحدث عنه آغن حجم «علاوة الأمن» التي سيتحملها المستهلك الأميركي في نهاية المطاف.

كما قد تحدد المدة التي ستكون خلالها دول الخليج مستعدة لتمويل خريطة جديدة لمسارات الطاقة، صُممت أساساً لتقليل مخاطر التعطل، قبل انتهاء الحرب التي جعلت إعادة رسم تلك الخريطة ضرورة في المقام الأول. (CNN الاقتصادية)

زر الذهاب إلى الأعلى