الأخبار الرئيسية

شريان حياة تحت التهديد.. المحكمة العليا الأميركية تحسم مصير ملايين الهايتيين

على مدار عقود تمكن الكثير من مواطني هايتي من مغادرة هذا البلد الفقير الذي مزقته أعمال العنف، وبناء حياة جديدة لأنفسهم في الولايات المتحدة، ليساعدوا أهاليهم على تجاوز محنتهم عبر إرسال حوالات مالية دورية، وقد مثلت هذه الأموال شريان حياة للكثيرين، في واحدة من أكثر دول العالم اعتماداً على التحويلات المالية.

لكن قد ينتهي هذا الوضع تماماً إذا سمحت المحكمة العليا الأميركية لإدارة ترامب بإلغاء تأشيرة وضع الحماية المؤقتة (TPS) لأكثر من 350 ألف هايتي، وهو وضع يسمح لهم بالعيش والعمل بشكل قانوني في الولايات المتحدة، لأن دولتهم تمر بظروف تمنعهم مؤقتاً من العودة الآمنة.

صراع قانوني يهدد وضع مئات الآلاف

في فبراير أوقفت المحكمة العليا الأميركية قرار البيت الأبيض بإنهاء وضع الحماية المؤقتة لمواطني هايتي، واليوم الأربعاء ستبدأ المحكمة جلسات الاستماع للمرافعات الشفوية بعد أن استأنفت إدارة ترامب القرار.

وصرحت وزارة الأمن الداخلي بأن برنامج هايتي «لم يكن مُصمماً أبداً ليكون برنامج لجوء فعلي، ومع ذلك فقد استخدمته الإدارات السابقة على هذا النحو لعقود».

وإذا حكمت المحكمة العليا لصالح الإدارة، فسيتم ترحيل مئات الآلاف من الهايتيين.

تداعيات إنسانية واقتصادية محتملة

لا تزال هجمات العصابات تُزعزع استقرار البلاد، وفي موجة من الهجمات الدامية في منطقة أرتيبونيت في هايتي الشهر الماضي، قُتل العشرات وفر الآلاف من منازلهم، ما دفع أزمة النزوح القائمة في هايتي إلى حافة الهاوية.

وتقول منظمات حقوقية هايتية، مثل منظمة «المدافعين بلس»، إن العنف بات يمتد حتى إلى مناطق كانت تُعتبر في السابق «ملاذات آمنة».

وقد جعلت الجماعات المسلحة التي تقطع الطرق وخطوط الإمداد الرئيسية الوصول إلى الضروريات شبه مستحيل في بعض الحالات.

بلغ انعدام الأمن الغذائي مستويات كارثية لملايين الهايتيين، فبحسب توقعات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) للفترة من مارس إلى يونيو 2026، يعاني 52% من السكان من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وقد فاقمت الفيضانات الكارثية الأخيرة في هايتي الأزمات المتداخلة التي تعاني منها البلاد، فقد ذكر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية هذا الشهر أن الأمطار الغزيرة تسببت في فيضانات شديدة في مقاطعة الشمال الغربي، ما أسفر عن وفاة 12 شخصاً على الأقل، وغمر أكثر من 1000 منزل، وتشريد السكان، وخسائر في الزراعة وغيرها من سبل العيش.

قالت غيرلين جوزيف، رئيسة تحالف الجسر الهايتي، وهي منظمة تُعنى بقضايا الهجرة: «الترحيل ليس خياراً مطروحاً الآن».

وتحذر منظمات حقوقية من أن تجريد حاملي تاشيرة وضع الحماية المؤقتة منها وترحيلهم قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، فالآلاف منهم مُعرضون لفقدان الحياة التي بنوها لأنفسهم في الولايات المتحدة لسنوات، بينما قد تشهد حياة ملايين الهايتيين في وطنهم انقلاباً جذرياً، وغرقاً أعمق في براثن الفقر المدقع والجوع والنزوح.

وتحذر آمي فيشر، مديرة قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة العفو الدولية بالولايات المتحدة: «إذا قطعنا الروابط التي تربط الهايتيين في الولايات المتحدة ببلادهم، والتي تُمكنهم من إرسال أموالهم، فمن المتوقع أن يُجبر ذلك المزيد من الناس على مغادرة هايتي بحثاً عن الأمان والاستقرار».

ويقول مانويل أوروزكو، مدير برنامج الهجرة والتحويلات المالية والتنمية في مركز أبحاث «الحوار بين الأميركتين»، إن نحو 750 ألف أسرة في هايتي تتلقى تحويلات مالية من الهايتيين في الولايات المتحدة، ويضيف أن نحو 40% من هؤلاء المُحولين من حاملي تأشيرة (وضع الحماية المؤقتة).

وبالنسبة لبعضهم، يُعد هذا مصدر دخلهم الوحيد ووسيلتهم الوحيدة لتوفير الطعام والدواء.

وبحسب مركز أبحاث الحوار بين الأميركتين، ارتفعت نسبة تحويلات المهاجرين الهايتيين من 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2012 إلى أكثر من ربع الناتج في عام 2022، لتصبح التحويلات المالية المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في هايتي.

ووفقاً لمركز الأبحاث «تُسهم هذه الأموال بشكل أساسي في دعم الاستهلاك الخاص، ودفع الرسوم الدراسية، وتوفير الرعاية الصحية، وبالتالي تحسين مؤشرات التنمية البشرية في البلاد، والحد من الفقر».

محاولات دولية محدودة لاحتواء الأزمة

خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول هايتي هذا الشهر، أقر القادة ببعض التقدم المُحرز في الوضع الأمني، وإن كان ضئيلاً، حيث تم إنشاء قوة دولية جديدة تُعرف باسم «قوة قمع العصابات»، بدعم من الولايات المتحدة، تهدف إلى تحقيق الاستقرار في هايتي، وجعلها قادرة في نهاية المطاف على العمل دون الحاجة إلى قوة أجنبية.

لكن إنفاق الأموال على قوة دولية، مع فتح الباب أمام عمليات ترحيل جماعية لحاملي وضع الحماية المؤقتة إلى البلاد، إذا ما قضت المحكمة بذلك، قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

يقول الخبراء إن عمليات الترحيل الجماعي ستضيف عبئاً إضافياً على موارد البلاد ومرافقها وبنيتها التحتية المُنهكة أصلاً، ولن تؤدي إلا إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يكافحون لتأمين لقمة عيشهم.

( CNN الاقتصادية)

زر الذهاب إلى الأعلى