
بقلم المحامية / نوير العازمي – مكتب دار المحاماة
منذ تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، خصوصًا المرتبطة بإيران وتأثيرها على دول الخليج، برزت آثار اقتصادية مباشرة انعكست على مختلف القطاعات، ومن أبرزها قطاع الأغذية والمطاعم. فقد أدت هذه الأوضاع إلى حالة من القلق في الأسواق، وارتفاع الطلب على السلع الغذائية، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد نتيجة القيود على النقل والشحن وارتفاع تكاليف الاستيراد، مما ساهم في تضخم الأسعار على الصعيدين المحلي والعالمي.
وقد أشار محللون اقتصاديون إلى أن الأزمات الجيوسياسية، مثل الحروب، تؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الغذاء بسبب الخوف من انقطاع الإمدادات، حتى في حال توافر المخزون. وهذه الحالة يمكن تكييفها قانونيًا ضمن نظرية الظروف الطارئة، والتي عرّفها الفقه بأنها:
“حدوث ظروف استثنائية عامة بعد إبرام العقد وقبل تنفيذه، لم يكن في وسع المتعاقدين توقعها، وتجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين دون أن يكون مستحيلاً”.
وبالاستناد إلى المادة 198 من القانون المدني الكويتي، يجوز تطبيق هذه النظرية على عقود توريد الأغذية للمطاعم، خاصة في الحالات التي تم الاتفاق فيها على أسعار محددة، ثم طرأ ارتفاع كبير ومفاجئ في الأسعار نتيجة الحرب، مما يسبب إرهاقًا ماليًا للمورد ويهدده بخسارة فادحة.
وتُعد الحروب من أبرز الأمثلة على الظروف الاستثنائية العامة، إذ أنها:
- غير متوقعة عند التعاقد
- خارجة عن إرادة الأطراف
- ذات طابع عام يشمل إقليمًا كاملًا أو عدة دول
وبالتالي، فإن تأثير الحرب الإيرانية على المنطقة أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتأخر وصول الشحنات، مما جعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية بالشروط الأصلية أمرًا مرهقًا، دون أن يصل إلى حد الاستحالة.
وفي هذا الإطار، لا يؤدي تطبيق نظرية الظروف الطارئة إلى انقضاء الالتزام، وإنما يمنح القاضي سلطة تعديل العقد لتحقيق التوازن بين الطرفين، كأن يقوم بتخفيض الالتزام أو زيادة المقابل، بما يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، تحقيقًا للعدالة.
من جهة أخرى، يمكن النظر إلى هذه الظروف أيضًا من زاوية القوة القاهرة، وفقًا لما نصت عليه المادة 215 من القانون المدني الكويتي، والتي عرّفتها بأنها:
“حادث خارجي لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه، ويستحيل معه تنفيذ الالتزام”.
وتتمثل شروط القوة القاهرة في:
- أن تكون الواقعة خارجة عن إرادة المدين
- غير متوقعة
- يستحيل دفعها أو تلافي آثارها
ورغم أن الحروب قد تُعد قوة قاهرة، إلا أن تطبيقها في عقود المطاعم يختلف بحسب الحالة؛ ففي ظل استمرار استيراد المواد الغذائية ووجود مخزون استراتيجي لدى الدولة، فإن تنفيذ الالتزام لا يكون مستحيلاً، بل مرهقًا فقط، مما يرجح تطبيق نظرية الظروف الطارئة أكثر من القوة القاهرة في أغلب الحالات.
كما فرّق القانون بين الاستحالة الجزئية والاستحالة الكلية، حيث إن الحروب قد تؤدي إلى تعطيل جزئي في التوريد أو زيادة التكاليف، دون أن تمنع التنفيذ بشكل كامل.
أما من حيث الاتفاق بين الأطراف، فإن:
- نظرية الظروف الطارئة من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها
- بينما القوة القاهرة ليست من النظام العام، ويجوز الاتفاق على توزيع تبعاتها، وفقًا لما نصت عليه المادة 295 من القانون المدني الكويتي
وعلى صعيد الواقع العملي، فقد تأثرت وكالات الأغذية والموردون للمطاعم بشكل كبير نتيجة هذه الأوضاع، حيث واجهوا صعوبات في توفير الكميات المتفق عليها بسبب ارتفاع الأسعار وتذبذب الإمدادات. كما أن ارتفاع تكاليف التشغيل، مثل النقل والتخزين، انعكس سلبًا على التوازن المالي للعقود.
وفي المقابل، تأثرت المطاعم نفسها، حيث أصبحت في معادلة اقتصادية غير متوازنة بين ارتفاع التكاليف وثبات أو انخفاض الإيرادات، مما أدى إلى لجوء العديد منها إلى تعديل نماذج العمل أو إعادة التفاوض على العقود مع الموردين.
وفي الختام، يتضح أن الحروب والتوترات الإقليمية، مثل الحرب الإيرانية وتأثيرها على الخليج، تُعد من أهم العوامل التي تؤثر على استقرار العقود، خاصة في قطاع المطاعم. ويبرز دور القانون المدني الكويتي في معالجة هذه الحالات من خلال نظريتي الظروف الطارئة والقوة القاهرة، بما يحقق التوازن والعدالة بين أطراف العلاقة التعاقدية.





