ريادة دبلوماسية تعيد صياغة مفهوم السيادة في النظام الدولي

بقلم: طارق يوسف الشميمري
الامين العام السابق لمركز التحكيم الخليجي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
في عالم يعاد تشكيله اليوم وفق موازين القوة الناعمة، برزت حقيقة دولية مفادها أن ثقل الدول لم يعد يُقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها الفائقة على ابتكار “دبلوماسية حضارية” تفرض حضورها في النظام العالمي ودولة الكويت بجغرافيتها الاستراتيجية وتاريخها الدبلوماسي العريق فهي تمثل نموذجاً فريداً للقوة التي استطاعت تحويل “المكان” إلى “مكانة” دولية مرموقة، مستندة إلى الحضور الدبلوماسي الكويتي الراسخ وهو نتاج مدرسة دبلوماسية وضعت أسسها الأولى منذ عام 1963 تحت قيادة المغفور له بإذن الله الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، “عميد الدبلوماسية” الذي صاغ هوية الكويت كمركز للثقل السياسي والوساطة الدولية. وقد سار على هذا النهج المتزن سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح رعاه الله ، الذي أدار دفة الدبلوماسية بكفاءة رسخت الدور الكويتي في مجلس الأمن والمنظمات الدولية، وصولاً إلى الدور المحوري الذي يضطلع به اليوم معالي وزير الخارجية الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، في إدارة ملفات السياسة الخارجية برؤية حكيمة تواكب تحديات القرن الحادي والعشرين وتصون المصالح العليا للدولة.

لقد تجلى دور دولة الكويت في المجتمع الدولي من خلال حضورها الفاعل في المنظمات والمحاكم الدولية حيث لعبت دوراً تاريخياً في محكمة العدل الدولية من خلال تقديم مرافعات قانونية رصينة تتعلق بقضايا الاستقلال والسيادة وحقوق الشعوب خاصة بدورها في الدعوى المقامة من جمهوريه جنوب أفريقيا ضد اسرائيل بشان حرب غزه، فقد عزز دور دوله الكويت وباقي الدول المشاركه من مصداقية القانون الدولي كمرجع للعدالة يعتمد عليه دائما ، وأن سجل دوله الكويت الحافل في الأمم المتحدة ودورها وعضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن عكس قدرة الدولة على صياغة قرارات دولية تخدم السلم والأمن الجماعي، فضلاً عن دورها الريادي في منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي كصوت للعقل ومنصة للتقريب بين وجهات النظر.
إن “ذكاء التموضع” الذي تميزت به دولة الكويت ووضوح الرؤية التي ترتكز على تحويل ميثاق الأمم المتحدة من نصوص نظرية إلى أدوات حماية فعلية، عبر مؤسسة “دبلوماسية قانونية وقائية” تستبق التحديات الدولية وتقود حواراً عالمياً في عصر الفضاء السيبراني.
إن طرح الدول ل “ميثاق الأخلاقيات الرقمية” يضعها في طليعة الدول التي ترسم معايير العلاقات الدولية الحديثة ويحصن الدول من تدخلات القوى العابرة للحدود التي أصبحت تهدد استقرار الأوطان عبر الفضاء الافتراضي والإعلام الرقمي.
وعلى مستوى العمل الإقليمي، فإن إرث وزراء خارجيتنا يمنح الكويت تفوقاً نوعياً في تفعيل “التكامل السيادي الخليجي” داخل منظومة مجلس التعاون وتنسيق المواقف المشتركة تجاه التدخلات الخارجية فهذا الدور يتناغم مع استراتيجية “الممر اللوجستي الآمن” ودبلوماسية “الاقتصاد الأزرق”، مما يجعل من استقرار دوله الكويت وباقي دول مجلس التعاون مصلحة اقتصادية دولية عليا لكبرى القوى العالمية، ويرسخ مكانتها كحليف موثوق في حماية الممرات المائية وأمن الطاقة العالمي.
إن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى “قوة سياسية” مؤثرة، وبناء “سور دبلوماسي” وقانوني يحمي الدولة ويرفع من وزنها النسبي في المحافل الدولية وإن تعزيز المكانة الحضارية لدولة الكويت هو “استحقاق استراتيجي” تفرضه تحولات النظام الدولي من خلال إرث مدرسة الشيخ “صباح الأحمد” والأدوات المبتكرة في الدبلوماسية الوقائية في وقتنا الحالي والمستقبلي فستظل دولة الكويت الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، والمنارة التي تثبت للعالم أن الدول القوية بحكمتها وحضارتها قادرة على صياغة المشهد الدولي بكل اقتدار وندية.






