الشيخه سهيله فهد الصباح

العمالة الهامشية: الواقع الاجتماعي والانعكاسات الاقتصادية

بقلم/ الشيخة سهيلة فهد الصباح

تسعى الحكومة الكويتية إلى القضاء على العمالة الهامشية التي تُلقي بظلالها السلبية على المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وتتحرك بخطوات عملية لتنظيم سوق العمل وتوفير عمالة ذات مهارة عالية. وتعمل الجهات المختصة على بناء منظومة مهنية متكاملة ومنصة إلكترونية لوضع المعايير المهنية، وإجراء اختبارات دقيقة لقياس كفاءة العمالة قبل انخراطها في القطاع الأهلي. ومن المقرر أن يكتمل المشروع بحلول عام 2028، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً في ضبط سوق العمل وتنقيته من الممارسات غير المنظمة. وتشير المصادر إلى أن المنصة الإلكترونية ستتيح ميكنة أكثر من 20 اختباراً مهنياً وتحديد ما يزيد على 10 وظائف أساسية يتم الاستقدام عليها.


وستشمل الخطة توقيع مذكرات تفاهم مع الجامعات والهيئات التعليمية وبعض جمعيات النفع العام لتطوير الاختبارات وضبط جودتها. والهدف لا يقف عند مجرد رفع الكفاءة المهنية، بل يمتد إلى تعزيز الدور الرقابي على المهن، وتصفية سوق العمل من العمالة غير المؤهلة.


وتشكل العمالة الهامشية خطراً داهماً على المجتمع، لأنها تتجاوز القانون وتعمل بعيداً عن أعين الجهات الرسمية، مما يجعلها عرضة للاستغلال من أرباب العمل. وتضم هذه الفئة عمالة زائدة عن حاجة السوق وغير مؤهلة، إضافة إلى من دخل البلاد بطرق غير مشروعة أو انتهت صلاحية إقامته ورفض التجديد. وتعيش هذه العمالة ظروفاً قاسية كالأجور المتدنية وساعات العمل الطويلة والمخاطر الصحية، وهو ما يجعلها بيئة خصبة لانتشار الجريمة والتسول، ما جعل السلطات تتبنى إجراءات مشددة كإعادة هيكلة اللجنة الثلاثية المشتركة لتضم وزارات ومؤسسات جديدة.


وتشمل الهيكلة الجديدة وزارة الصحة وهيئة البيئة، بهدف توسيع نطاق التفتيش وضبط المخالفين وتغليظ العقوبات على أرباب العمل الذين يوفرون مأوى للعمالة الهاربة. ورافق ذلك قرارات فعلية بترحيل عشرات الآلاف من المخالفين خلال العام الجاري. وتبرز خطورة العمالة الهامشية في إسهامها المباشر بتعميق الخلل الديموغرافي، إذ يشكل الأجانب 3.5 ملايين نسمة من أصل 4.6 ملايين هو مجموع السكان. وتتركز أعداد كبيرة منهم في مناطق عشوائية، وهو ما يفاقم المشكلات الاجتماعية ويؤثر في سمعة الدولة خارجياً.


وأظهر تقرير ديوان المحاسبة أن هذه العمالة تزيد أعباء الدعم الحكومي وتضاعف التحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية. وفي الوقت الذي تمضي فيه الحكومة في سياسة الترحيل لضبط الأوضاع، ترتفع أصوات داخل القطاع الخاص تدعو إلى إعادة النظر في التصنيف الرسمي للعمالة الهامشية. ويرى مقاولون وأصحاب شركات بناء أن سوق المقاولات يعاني من نقص كبير في الأيدي العاملة، وأن تضييق الاستقدام بحجة مكافحة تجارة الإقامات انعكس مباشرة على المواطن من خلال ارتفاع تكاليف البناء. وقد وصلت أجور العمالة اليومية إلى أكثر من ضعف مستويات ما قبل جائحة كورونا.


ويؤكد متخصصون أن الحل لا يكمن في الإبعاد وحده، بل في تحويل العمالة غير المنظمة إلى قوة إنتاجية قانونية عبر إدماجها في السوق ومنحها فرصاً لتصحيح أوضاعها. وعلى غرار تجارب ناجحة في دول مجاورة، أُتيحت للعمالة المخالفة فرصة لتعديل أوضاعها القانونية والانخراط بشكل مشروع في القطاعات التي تحتاج إليهم. وحوّلت هذه التجارب الأزمة إلى رافعة اقتصادية بدلاً من أن تظل عبئاً اجتماعياً وأمنياً. وبينما يشير خبراء الاقتصاد إلى أن معالجة ملف العمالة الهامشية ضرورة ملحة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل اللائق، يحذر مسؤولون من استمرار سوء إدارة الملف.


ويفاقم سوء الإدارة أزمة البناء والإسكان، ويرفع أسعار مواد البناء التي تأثرت أساساً بالأوضاع العالمية كالحرب الروسية الأوكرانية، مما يجعل التدخل الحكومي لتنظيم السوق أمراً لا يحتمل التأجيل. ويقف ملف العمالة الهامشية عند مفترق طرق بين التشدد الأمني والحلول التنظيمية، وبين المعالجة الآنية والترتيبات الاستراتيجية طويلة الأمد. وتبرز التحديات بين ضغوط التركيبة السكانية واحتياجات السوق الفعلية، وبين سياسة الترحيل المباشر والحلول الإدماجية المبتكرة.


ويشكل ملف عمالة البناء صداعاً لأصحاب الطلبات الإسكانية تحول إلى تأخير في الإنجاز على أرض الواقع، وارتفاعاً بالتكاليف وصل في بعض الأحيان إلى 100 في المئة بأجور اليد العاملة. وفي ظل نقص العمالة والفوضى التي يعيشها سوق عمالة البناء غير المنظم، لجأت شركات المقاولات وملاك القسائم للعمالة الهامشية، ما جعل تلك العمالة تفرض شروطها وأسعارها. وأمام هذه الأوضاع، يتضح مدى الحاجة إلى توصيف دقيق لمفهوم العمالة الهامشية التي يمكن للسوق الاستغناء عنها، وتلك التي يعد وجودها ضرورياً، حتى وإن كانت ليست من ذات الشهادات العلمية أو المتخصصة.


وتعتبر المشكلة إدارية بحتة يمكن القضاء عليها بإدخال عمالة الشارع الذين يحملون إقامات تحمل مسميات وظيفية تخالف وظائفهم الحقيقية بشكل نظامي في سوق العمل عبر شركات المقاولات. ويتطلب ذلك فتح استقدام العمالة لتلك الشركات بعد الاطلاع على ميزانياتها للسنوات الخمس الماضية، وتقدير احتياجاتها وفقاً لذلك بما يمنع تجار الإقامات من استغلال بعض الثغرات.


وينبغي الاستفادة من تجربة إحدى الدول المجاورة في هذه المسألة، حيث لم تقم بإبعاد مخالفي الإقامة أو الذين يعملون في غير مهنهم المسجلة، بل أعطتهم مهلة لمدة سنة أطلقت عليها “مهلة تصحيح مسار”. وأنشأت لجنة جمعت أسماء هؤلاء ومهنهم الحقيقية وطلبت من الشركات المحتاجة لعمالة التقدم إليها لتزويدها بالاحتياجات المطلوبة، وبذلك حولت المشكلة إلى فائدة للمجتمع والشركات.


ويظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان البلد سينجح في تحويل هذه الفئة من عبء ثقيل إلى قوة اقتصادية منتجة تسهم في نهضة البلاد. والحل يكمن في تنظيم عملية البناء، وبالدرجة الأولى تعاقدات الباطن بين الشركات والعمالة السائبة، إلى جانب إتاحة الفرص لأصحاب الشركات لجلب العمالة من الخارج لخلق روح المنافسة، ومع فتح الفرص للعمالة السائبة لتعديل وضعها دون اللجوء إلى إبعادها.

زر الذهاب إلى الأعلى