ثقافة الادخار والاستثمار لدى الجيل الجديد: بين القلق الاقتصادي وطموح كسر القواعد
يغري الشباب بوهم الثراء السريع والقفز فوق مراحل الفهم والتخطيط

بقلم الشيخة/ سهيلة فهد الصباح
في زمنٍ تتآكل فيه المسلّمات الاقتصادية واحدة تلو الأخرى، يبدو أن الجيل الجديد يقف وحيداً أمام مشهد مالي شديد القسوة، بلا خرائط جاهزة ولا وصفات مضمونة. وما كان يُعدّ في الماضي طريقاً آمناً نحو الاستقرار أو الادخار المنتظم، والوظيفة الثابتة، والاستثمار المتدرج فلم يعد اليوم سوى معادلات غير قابلة للتطبيق في واقع تتصاعد فيه الأسعار بوتيرة أسرع من الرواتب، وتتبدل فيه قواعد سوق العمل قبل أن يستوعبها الداخلون الجدد إليه.
وهكذا يجد الشباب أنفسهم مضطرين إلى إعادة تعريف مفهوم الأمان المالي من جذوره، لا بدافع التمرد، بل تحت ضغط واقع اقتصادي لا يرحم.
ولقد نشأ هذا الجيل وهو يشاهد أحلام امتلاك منزل أو بناء ثروة عبر الادخار طويل الأجل تتراجع إلى الخلف، حتى بدت أشبه بمشاريع مؤجلة إلى أجل غير مسمى. فالعقارات تحولت إلى أرقام فلكية، والديون أصبحت جزءاً شبه طبيعي من بداية الحياة المهنية، فيما لم تعد الوظيفة وحدها ضمانة للاستقرار.
وفي هذا المناخ تآكل الإيمان بالحلول التقليدية، وبدأ شعور واسع باللاجدوى يتسلل إلى الوعي المالي للشباب، شعور لا يخلو من المرارة لكنه مفهوم في سياقه.
ومن هنا برزت ما يُعرف اليوم بـ«العدمية المالية»، وهي حالة نفسية واقتصادية في آن واحد، يتبناها شباب يرون أن الالتزام بالقواعد القديمة لن يقودهم إلا إلى الدوران في الحلقة ذاتها وهذا الإحباط لم يبقَ حبيس المشاعر، بل تُرجم إلى سلوكيات مالية جريئة، وأحياناً متهورة، حيث اتجه كثيرون نحو العملات المشفرة، وأسهم في المضاربات السريعة والمراهنات، لا حباً بالمخاطرة بقدر ما هو بحث يائس عن اختصار الطريق.
وهنا يتحول السؤال من الإدانة إلى الفهم: هل نحن أمام هروب جماعي من واقع مسدود، أم أمام استجابة عقلانية لاقتصاد فقد منطقه التقليدي؟
فالجيل الجديد في جوهره ليس كتلة واحدة، لكنه يشترك في سمات مالية واضحة ونحن نتحدث عن شباب في بداياتهم الوظيفية، دخلوا سوق العمل وبدأت تتجمع لديهم فوائض مالية محدودة، لكنها بلا بوصلة استثمارية واضحة. وهذا الجيل ابن التكنولوجيا بامتياز، يتعامل مع المال عبر التطبيقات والمنصات الرقمية ويقيس الفرص بلغة الأرقام السريعة والعوائد المرتفعة وهو جيل شديد التأثر بسرديات النجاح الخاطف التي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتحول استثناء واحد إلى نموذج عام، وتُخفى خلف الأضواء قصص الخسارة والإخفاق.

وفي المقابل لا يمكن تجاهل أن هذا الجيل أكثر وعياً من سابقيه بقضايا الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، وهو ما ينعكس أحياناً في اختياراته الاستثمارية ولكنه وعي يصطدم بواقع قاسٍ وهو تضخم يلتهم قيمة الادخار التقليدي، والثقة بالمؤسسات المالية الكلاسيكية ليست في أفضل حالاتها، فيما يغري وهم الثراء السريع كثيرين بالقفز فوق مراحل الفهم والتخطيط. والأخطر من ذلك أن بعض الشباب، تحت ضغط الحياة أو بدافع الاستمتاع باللحظة، يستنزف مدخراته في أنماط استهلاكية آنية دون تصور واضح للمستقبل، وهو سلوك مفهوم إنسانياً، لكنه مقلق مالياً.
وجوهر المشكلة لا يكمن في طموح الشباب، بل في الفراغ المعرفي الذي يتحركون داخله.
فغياب ثقافة استثمارية واضحة يجعل الخيارات إما شديدة التحفظ أو شديدة الخطورة، دون منطقة وسطى ناضجة.
وحين نسأل: من المسؤول عن هذا الغياب؟ لا نجد إجابة واحدة فصحيح أن الجهات الرسمية والمؤسسات المالية تكرر خطاب الادخار والتخطيط، وتؤكد أن الاستقلال المالي يبدأ بخطوات صغيرة، لكن هذا الخطاب غالباً ما يبقى نظرياً، بعيداً عن لغة الشباب وواقعهم اليومي. فالأرقام تشير بوضوح إلى أن شريحة واسعة من الشباب لا تدخر شيئاً من دخلها، ما يعني أن الرسالة لم تصل، أو لم تُقدَّم بالشكل الصحيح.
والحديث عن الثقافة المالية لا يجب أن يبقى شعاراً عاماً، بل مشروعاً متكاملاً يبدأ من التعليم المبكر، حيث يتعلم الطالب معنى الادخار والاستثمار والمخاطرة قبل أن يتسلم أول راتب في حياته.
فنحن بحاجة إلى برامج توعوية عملية، لا تكتفي بالتحذير، بل تشرح وتدرّب، وتستخدم الأدوات التي يفهمها هذا الجيل، من تطبيقات الدفع الرقمي إلى آليات الادخار الآلي التي تحوّل الالتزام المالي إلى عادة لا عبء. وكما أن الاستثمار في رأس المال البشري، عبر ورش ودورات مجتمعية، لم يعد ترفاً بل ضرورة في عالم تتغير فيه الأدوات بسرعة.
وعلى مستوى الاستثمار، لا بد من إعادة التوازن إلى الخطاب، بحيث لا يُقدَّم الادخار بوصفه نقيضاً للطموح، ولا يُصوَّر الاستثمار عالي المخاطر كطريق وحيد للنجاة. والفهم الحقيقي يبدأ بالتمييز بين ادخار يُؤمّن الطوارئ والأهداف القريبة، واستثمار يُبنى على المدى الطويل بعقلانية وتنويع. هذا الفهم وحده القادر على حماية الشباب من الوقوع في فخ القرارات العاطفية.
فالمسؤولية هنا لا تقع على الأفراد وحدهم فالجهات الحكومية والمؤسسات المعنية مطالبة بدور أكثر حضوراً ووضوحاً، خصوصاً في الجانب التوعوي. فقصص المشاريع الصغيرة التي تبدأ بحماس وتنتهي بخسارة خلال عام واحد لم تعد استثناءً وكثير من هذه الإخفاقات تعود إلى سوء الاختيار، أو عدم توافق المشروع مع إمكانات صاحبه، أو غياب المتابعة والالتزام.
وبعض الشباب يدخل عالم الاستثمار دون أن يملك الوقت أو الصبر أو المعرفة، ثم يُفاجأ بأن الواقع أقسى من صورة الافتتاح البراقة.

ووسط هذا كله، تبقى القاعدة الذهبية صالحة مهما تغيّر الزمن: الادخار يجب أن يسبق الإنفاق، لا أن يكون بقاياه. وهذا التحول البسيط في العقلية يصنع فارقاً هائلاً على المدى الطويل. أما الاستثمار، فلا ينبغي أن يكون قفزة في المجهول، بل قراراً واعياً مبنياً على فهم وتجربة وتدرج.
إن ما يعيشه الجيل الجديد من ارتباك مالي ليس دليلاً على فشل، بل انعكاس لعالم اقتصادي مضطرب. والاختبار الحقيقي لا يكمن في رفض الطموح أو الانسياق خلفه بلا حساب، بل في القدرة على الموازنة بين الجرأة والحذر.
وهذه الموازنة لا تولد من فراغ، بل من ثقافة مالية راسخة، ودعم مؤسسي صادق، وإعلام مسؤول يعترف بتعقيد المشهد بدلاً من تسويقه كحلم سهل المنال. وعندها فقط، يمكن للشباب أن يعيدوا تعريف الأمان المالي، لا كحلم مستحيل، بل كمسار واقعي قابل للتحقق.





