القراءة عند الشباب: تراجع أم تحوّل

بقلم/ الشيخة سهيلة فهد الصباح
في زمنٍ غير بعيد، كانت المكتبات العامة تضجّ بالحياة، تعجّ بطلاب المعرفة، وتزدحم رفوفها بأيادٍ شغوفة تقلب الصفحات بشغف، فيما تعود الحقائب مثقلة بكنوزٍ ورقية تُحمل إلى البيوت كما تُحمل الذخائر الثمينة. ثم تبدّل المشهد شيئاً فشيئاً، وخفتت تلك الحركة، وحلّت الشاشات محل الرفوف، وأصبحت الأصابع تنزلق بخفة على زجاجٍ بارد، بينما تقف المكتبات صامتة، كأنها تنتظر من يعيد إليها أنفاسها الأولى.
ومن هنا يبرز السؤال بإلحاح: هل أعرض الشباب عن القراءة حقاً، أم أنهم غيّروا وجهتها وأدواتها بما ينسجم مع إيقاع العصر؟ فالحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن القراءة لم تمت، بل تحوّلت وتبدّلت أشكالها. فالشاب الذي لا يُرى حاملاً كتاباً ورقياً، يلتهم يومياً عشرات المقالات والمنشورات والعناوين عبر هاتفه الذكي. غير أن هذا التحوّل لم يمرّ بلا كلفة؛ إذ فرضت القراءة السريعة والمتقطعة نمطاً جديداً من التلقي، أضعف قدرة التعمق والتأمل، واستبدل الغوص في كتاب ممتد بالتنقل العابر بين عناوين لامعة ومثيرة.
ويضاف إلى ذلك أن المكتبات، في كثير من الأحيان، لم تواكب التحولات، فبقيت كتبها أسيرة رفوف قديمة، لا تعكس اهتمامات الجيل الجديد ولا تلامس أسئلته المتجددة. كما أن المؤسسات التعليمية، بدورها، أسهمت في تعميق الفجوة، حين ركزت على التلقين والحفظ، وأهملت تعليم مهارات البحث والاطلاع، فجعلت القراءة عبئاً دراسياً لا متعة معرفية.
ومن ناحية أخرى، جاءت الشبكة العنكبوتية كضيفٍ مزدوج الوجه؛ فمن جهة، فتحت أبواب المعرفة على مصراعيها، وجعلت الوصول إلى المعلومة أسرع وأسهل من أي وقت مضى، ومن جهة أخرى، شجعت على الكسل المعرفي، وأضعفت الصبر على الكتاب الورقي. فالإنترنت، بما يحمله من تنوع وإغراء، بات الخيار الأول لدى كثيرين، خاصة مع توفر كتب ومصادر قد لا تجد لها أثراً في المكتبات العامة، الأمر الذي عمّق عزوف الشباب عن ارتيادها.
وتتفاقم المشكلة أكثر مع انتشار ظاهرة البحوث الجاهزة، التي تحوّل العلم إلى سلعة، وتجعل الطالب يستغني عن عناء البحث والقراءة، مكتفياً بمنتج سريع يُسلّم لينال به درجة دراسية. وهذه الظاهرة لا تقتل شغف المطالعة فحسب، بل تفرغ العملية التعليمية من جوهرها، وتقطع الصلة بين الطالب والكتاب، وتحوّل المعرفة إلى إجراء شكلي لا تجربة فكرية.

ورغم هذا المشهد الذي يبدو قاتماً، إلا أن الأمل لم ينطفئ تماماً. فمعارض الكتب لا تزال تستقطب أعداداً لافتة من الشباب، في إشارة واضحة إلى أن علاقة الجيل بالكتاب لم تنقطع، وإنما تحتاج إلى من يوقظها ويغذيها. كما أن هناك شريحة متزايدة تبحث عن محتوى رقمي جاد، يتجاوز السطحية والاختصار المخل، ويعيد للقراءة معناها العميق، ولو عبر شاشة مضيئة.
ومن هنا، يصبح إنقاذ المشهد مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل. فالأسرة مطالبة بغرس حب القراءة منذ الطفولة، ولو عبر مكتبة منزلية صغيرة تكون نافذة دائمة على المعرفة. والمؤسسات التعليمية مدعوة إلى إعادة الاعتبار للبحث الحر، وتعليم مهارات التعامل مع المكتبات والمصادر، وتنظيم مسابقات قرائية تحفّز الفضول وتكافئ الجهد. أما المكتبات العامة، فعليها أن تتجدد في محتواها وأدواتها، وأن تواكب اهتمامات الشباب، وتجمع بين الورقي والرقمي، لتصبح فضاءً جاذباً لا مخزناً صامتاً.
وفي خضم هذا كله، يبقى من الضروري استحضار الدلالة العميقة لأول كلمة نزلت في الوحي: «اقرأ». فهي ليست أمراً عابراً، ولا شعاراً ثقافياً، بل منهج حياة، وأساس بناء، ومفتاح نهضة. فالقراءة كانت، ولا تزال، الطريق الأوسع إلى الوعي، والجسر الأمتن نحو الحضارة.
أن القراءة لدى الشباب لم تتراجع بمعناها المطلق، لكنها تغيّرت في وسائطها وإيقاعها. وانتقلت من الورق إلى الشاشة، ومن التأني إلى السرعة، ومن العمق إلى الاختزال. والمطلوب اليوم ليس محاربة التكنولوجيا ولا اجترار الماضي، بل إيجاد توازن ذكي يجمع بين القديم والحديث، بين الورقي والرقمي، حتى تظل القراءة منارة معرفة، وأداة تنوير، وقوة فاعلة في صناعة مستقبل أكثر وعياً ونضجاً.





