الشيخه سهيله فهد الصباح

(البشت) يدخل قائمة التراث الثقافي العربي لليونسكو بجهود خليجية ومشاركة فاعلة من الكويت

الشيخة/ سهيلة فهد الصباح

بقلم : الشيخة/ سهيلة فهد الصباح

في خطوة تاريخية تُجسّد عمق التعاون العربي وتماسكه الثقافي، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) ملف “البشت: المهارات والممارسات” ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وذلك خلال اجتماعات الدورة العشرين للجنة الحكومية الدولية لاتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي المنعقدة في العاصمة الهندية نيودلهي.

وجاء هذا الإدراج بجهود مشتركة قادتها دولة قطر بمشاركة الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق وسوريا، في خطوة عكست حرصًا عربيًا على حماية الموروث المشترك وصونه للأجيال القادمة.

ويعود تاريخ البشت، تلك العباءة الرجالية التي ارتبطت بالهيبة والمكانة الاجتماعية، إلى قرون ضاربة في القدم. وتشير اللوحات النصرانية والعبرية القديمة إلى استخدامه في زمن النبي عيسى، خصوصًا بين سكان بلاد الشام والأراضي المقدسة. كما يُعد المؤرخ الإغريقي هيرودوت من أوائل من وثّق هذا اللباس في القرن الخامس قبل الميلاد، حين وصف الجنود العرب بأنهم “يلبسون عباءة طويلة تُربط بحزام”. وترجّح البحوث اللغوية أن كلمة “بِشت” تعود إلى الأكدية، اللغة السامية في بابل، وتحمل معنى المهابة والجلال، وهي دلالة تتوافق مع مكانة هذا اللباس الذي ارتداه الأمراء والنبلاء والمتصوفة والوجهاء عبر العصور. وقد وردت الكلمة في مصادر فقهية وأدبية عديدة، منها كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيرازي، وكذلك في معجم اللغة العامية البغدادية لجلال الحنفي.

ومع مرور القرون، بقي البشت رمزًا للوقار والأناقة والمكانة الاجتماعية في مختلف المجتمعات العربية، إذ يُرتدى في المناسبات الوطنية والرسمية والاجتماعية، ويُبرز مهارات دقيقة في الخياطة اليدوية والتطريز التقليدي. ويُعد إدراجه في قائمة اليونسكو تتويجًا للتعاون العربي في إعداد ملف يعكس وحدة التراث وعمق الروابط الثقافية المشتركة. وبرزت صناعة البشوت في الكويت منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث اشتهرت عائلات ودواوين متعددة بإتقان هذه الحرفة بدقة ومهارة. وكانت المنافسة بين تلك العوائل قوية، نظرًا لصعوبة الصناعة واحتياجها ساعات طويلة من العمل المتقن لاكتمال بشت واحد. وكان أصحاب الديوانيات يقدّمون للصناع مقابلًا ماديًا يحفزهم على الإبداع، فتكوّنت سمعة راسخة لعائلات ارتبط اسمها بالجودة والإتقان على مدى عقود.

وتصنف البشوت إلى نوعين رئيسيين: الصيفية، ومن أشهرها النجفي والدورقي والإنجليزي والياباني، ويأتي البشت النجفي في مقدمتها لجودته ومتانته؛ والشتوية، مثل البوشهر والحساوي والأردني والسوري والكشميري. كما انتشرت البشوت الربيعية، ومنها الياباني المصنوع من الصوف، وأنواع أخرى تُعرف بـ“أوبشن” المصنعة من خيوط الوبر الخفيف. وفي جانب الزينة، يبرز الزري بوصفه اللمسة الفاخرة التي تميز البشت، ويأتي “الزري الحر” في مقدمة الأنواع لجودته المصنوعة من الفضة المطلية بالذهب الخالص، ويُخاط يدويًا دون الاعتماد على الآلات. كما توجد أنواع أخرى مطلية بالنحاس تُعد أقل سعرًا وجودة. ومع تطور آلات النسيج، توسعت خيارات الألوان لتشمل الأزرق والسماوي والعودي والأشقر والليموني بعد أن كان الأسود والبني هما السائدين.
وتماشيًا مع تطور الموضة، ظهرت في السنوات الأخيرة تصاميم نسائية للبشت، تُحاكي شكله التقليدي بروح عصرية، وتلجأ إليه بعض السيدات في المناسبات الخاصة، بما يعكس قدرة هذا الموروث على التكيف مع متطلبات العصر دون التخلي عن هويته الأصيلة.

وقد شهد سوق البشوت في الكويت انتعاشًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، إذ عاد الإقبال على ارتدائه في المناسبات الرسمية والاجتماعية، خاصة بين العرسان ورجال الدولة ورجال الأعمال وكبار السن وبعض النواب في مناسباتهم الخاصة. وتلعب جودة القماش ودقة الحياكة والزري دورًا رئيسيًا في تحديد قيمة البشت وسعره.

ويأتي هذا الإنجاز العربي المشترك في وقت تواصل فيه الكويت تعزيز حضورها الثقافي العالمي؛ فقد أدرجت ستة عناصر في قائمة التراث العالمي لليونسكو خلال السنوات الماضية، من بينها: الحناء، والنخيل، والسدو، والخط العربي. ويعكس هذا الحضور التزام الكويت بصون تراثها وتعزيز هويتها الثقافية وتبادل الخبرات مع المجتمع الدولي. وقد شارك وفد الكويت بفعالية في اجتماعات لجنة اليونسكو في نيودلهي خلال الفترة من 8 إلى 13 ديسمبر 2025، حيث ضم ممثلين عن إدارة الآثار والمتاحف وجمعية السدو الحرفية، وقدموا إسهامات واضحة في مناقشات اللجنة وأعمال الدورة.

ويمثل إدراج البشت في قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو اعترافًا عالميًا بقيمة هذا الموروث العريق، ويؤكد أهمية المحافظة على المهارات والممارسات التقليدية المرتبطة به، كما يُجسد نموذجًا ناجحًا للتعاون العربي في حماية التراث المشترك. ويبرز هذا الإنجاز قدرة البشت على التطور ومواكبة العصر دون أن يفقد جلاله وأصالته، ليبقى رمزًا خالدًا للهوية العربية وملمحًا حضاريًا يمتد من الماضي إلى المستقبل.
ولا يقف البشت عند حدود كونه لباسًا تقليديًا فحسب، بل يُعد حاملًا لرسائل اجتماعية وثقافية عميقة، إذ ارتبط عبر التاريخ بمناسبات الفرح والاحتفاء، وأصبح جزءًا من الطقوس التي ترافق مراحل الحياة في المجتمعات العربية. وفي كثير من البيئات الخليجية، يُقدَّم البشت هديةً تعبيرًا عن التقدير والاحترام، مما يعكس مكانته الرمزية في الوجدان العربي. كما يشكّل البشت وسيلة للحفاظ على استمرارية الحرف التقليدية، فهو يجمع بين مهارة النسيج ودقة الخياطة وفنون التطريز، ويُبقي هذه الحرف حية ومطلوبة، رغم هيمنة الصناعة الحديثة على سوق الأزياء.

ومع الاعتراف الدولي الذي حظي به، بات البشت يحجز مكانًا بارزًا في الفعاليات العالمية التي تحتفي بالتراث والموضة، إذ بدأ يظهر في المعارض الدولية والأمسيات الثقافية، وتزايد اهتمام المصممين العالميين بدراسة تقنياته وتوظيف تفاصيله في تصميماتهم الحديثة. ويعكس هذا التوسع قدرة البشت على تجاوز حدوده المحلية ليصبح جزءًا من الحوار العالمي حول أهمية الحفاظ على التراث كعنصر ملهم في الصناعات الإبداعية، الأمر الذي يفتح آفاقًا جديدة أمام الحرفيين العرب ويعزز مكانة التراث الخليجي على الساحة الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى