الأمن المجتمعي ومواجهة الشائعات في البيئة الرقمية

بقلم/ الشيخة سهيلة فهد الصباح
تشهد دولة الكويت نمواً متسارعاً في مجال التكنولوجيا الرقمية، وتواكب هذا النمو تحديات متزايدة في ميدان الأمن السيبراني، وتأتي في مقدمتها ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة عبر الفضاء الرقمي. ولذلك تعمل الدولة على صياغة استراتيجيات شاملة تتضمن سن تشريعات صارمة، وإنشاء مؤسسات متخصصة، وتعزيز التعاون على المستويين الإقليمي والدولي لمواجهة هذه المخاطر.
ويُعتبر قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية أحد الركائز الأساسية في هذا المسار، إذ يتضمن مواد واضحة تجرّم مختلف أشكال الجرائم الرقمية، وتبرز من بين هذه المواد المادة السادسة التي تعاقب على نشر الشائعات والأخبار الكاذبة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بالسجن لمدة تصل إلى عامين وبغرامة قد تبلغ خمسة آلاف دينار كويتي. ولا يتوقف القانون عند هذا الحد، بل يوسع مظلته ليشمل طيفاً واسعاً من الجرائم الإلكترونية مثل الاحتيال الرقمي الذي تصل عقوبته إلى سبع سنوات سجناً وغرامة قد تصل إلى عشرين ألف دينار، والاختراق والتجسس الإلكتروني الذي قد تصل عقوبته إلى عشر سنوات، والابتزاز عبر الوسائل الرقمية الذي يُعاقب بالسجن خمس سنوات وغرامة تصل إلى خمسة عشر ألف دينار.
وتشمل التشريعات كذلك جرائم سرقة الهوية والبيانات الشخصية بعقوبات تصل إلى ثلاث سنوات سجناً وغرامة قدرها عشرة آلاف دينار، وتمتد إلى الجرائم الأخطر مثل غسل الأموال عبر الإنترنت والاتجار بالبشر وترويج المخدرات، حيث تصل العقوبات إلى السجن عشر سنوات وغرامات قد تبلغ خمسين ألف دينار. وتضطلع إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية في وزارة الداخلية بدور محوري في تطبيق القانون وحماية المجتمع من هذه التهديدات، فهي تستقبل البلاغات على مدار الساعة عبر رقم مخصص للشكاوى، وتباشر التحريات والإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.
ويبرز كذلك دور المركز الوطني للأمن السيبراني الذي يضع السياسات العامة لحماية البنية التحتية الرقمية، ويعمل على رفع القدرات الوطنية والتنسيق مع الجهات المحلية والدولية لمواجهة التحديات المتطورة، كما توفر وزارة الداخلية خدمة “سند” عبر تطبيق واتساب لتمكين المواطنين والمقيمين من الحصول على المعلومات والخدمات الأمنية بشكل سريع وفعال. وتتبنى الكويت نهجاً متعدد الأبعاد في مواجهة التهديدات الرقمية، حيث تركز على نشر الوعي العام بمخاطر الجرائم الإلكترونية وأساليب الوقاية منها، وتنظم مؤتمرات ومعارض متخصصة مثل المؤتمر الخليجي لتحديات الأمن السيبراني الذي يعزز تبادل الخبرات والتعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال.

وتشجع السلطات الأفراد على المشاركة الفعالة في حماية الفضاء الرقمي من خلال الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة عبر قنوات اتصال متعددة وسهلة الاستخدام، وتتعامل مع هذه البلاغات بسرية ومهنية عالية، كما تستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي للتوعية وتتبع الأنشطة غير المشروعة بما يعزز قدرتها على الاستجابة الاستباقية للتهديدات. وعند التعرض لجريمة إلكترونية، تشدد السلطات على ضرورة الإبلاغ السريع عبر الرقم المخصص أو عبر تطبيق واتساب، وتطالب المبلغين بتقديم معلومات دقيقة وأدلة رقمية واضحة مثل لقطات الشاشة أو الرسائل، كما توصي بالاستعانة بمحامٍ متخصص لضمان سلامة الإجراءات القانونية وحماية حقوق الضحية.
وتؤكد الكويت من خلال استضافتها لاجتماعات اللجنة التنفيذية للأمن السيبراني لدول مجلس التعاون الخليجي والمؤتمرات المتخصصة مثل المؤتمر الخليجي الخامس لتحديات الأمن السيبراني على دورها الريادي في تنسيق الجهود الإقليمية وتبادل الخبرات لمكافحة الجرائم الرقمية، حيث تشارك وزارة الداخلية بعدة جهات متخصصة دعماً لهذه الجهود. وتواصل الدولة الاستثمار في تطوير بنيتها التحتية الرقمية وتدريب كوادرها وبناء أطر تشريعية وتنظيمية متقدمة، وتسعى من خلال هذه الجهود إلى توفير بيئة رقمية آمنة ومستدامة تدعم مسيرة التحول الرقمي وتحمي المجتمع من التهديدات العابرة للحدود، كما تعزز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لمواجهة المخاطر السيبرانية العالمية. وبذلك تسعى الكويت لأن تكون نموذجاً رائداً في المنطقة في مجال الأمن السيبراني، وأن تسهم بفعالية في حماية الفضاء الرقمي وصون الأمن المجتمعي من أخطار الشائعات والجرائم الإلكترونية.





