
بقلم المحامية / نوير العازمي – مكتب دار المحاماة
تُعد الرعاية الصحية من المجالات التي تحكمها قواعد قانونية دقيقة تهدف إلى حماية المريض وضمان جودة الخدمات الطبية المقدمة له. ويقوم هذا الإطار على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها مبدأ الموافقة المستنيرة، إضافة إلى تحديد نطاق العمل الطبي، وبيان الالتزامات المهنية الواقعة على عاتق مزاولي المهن الطبية.
فيما يتعلق بالموافقة المستنيرة، فهي تُعتبر ركيزة أساسية في العلاقة بين الطبيب والمريض، حيث يُقصد بها قبول المريض أو من يمثله قانوناً بالإجراء الطبي المقترح، وذلك بعد إبلاغه بشكل واضح وكافٍ بطبيعة هذا الإجراء وآثاره ومخاطره المحتملة، وفقاً لأحكام القانون واللوائح المنظمة. ويُعد هذا المبدأ تجسيداً لاحترام إرادة المريض وحقه في اتخاذ القرار بشأن صحته وجسده. ولا يُعد حصول الممارس الصحي على هذه الموافقة مبرراً للإخلال بالأصول الطبية، إذ تظل مسؤوليته قائمة متى ثبت وقوع خطأ مهني أو تقصير. كما يُستثنى من اشتراط الحصول على الموافقة الحالات الطارئة التي يتعذر فيها ذلك وكان التأخير يعرّض حياة المريض أو سلامته للخطر.
أما نطاق العمل الطبي، فيشمل مجموعة من الأفعال التي تهدف إلى الحفاظ على صحة الإنسان أو تحسينها، ومن ذلك وصف أو إعطاء أو تطبيق العلاج بقصد الشفاء أو الوقاية من الأمراض، إضافة إلى إجراء الفحوصات والكشوفات الطبية والتدخلات الجراحية، وكذلك أخذ عينات من جسم الإنسان لأغراض التشخيص أو العلاج أو الوقاية. ويُشترط في جميع هذه الأعمال أن تتم وفق الأصول العلمية والطبية المعترف بها، وفي حدود التخصص والصلاحيات المقررة لكل ممارس صحي.
وبالنسبة لالتزامات مزاولي المهن الطبية، فإنهم يلتزمون بأداء واجباتهم وفق معايير مهنية وأخلاقية محددة، حيث يتوجب عليهم ممارسة عملهم بما يتفق مع الأصول العلمية والفنية المتعارف عليها، وبما يتناسب مع مؤهلاتهم وخبراتهم. كما يجب عليهم الالتزام بالقوانين واللوائح ذات الصلة، والعمل على تحقيق العناية اللازمة للمرضى، مع الحفاظ على خصوصيتهم وكرامتهم دون أي تمييز. وتقوم مسؤولية الممارس الصحي متى ثبت الإهمال أو التقصير أو مخالفة الأصول الطبية أو تجاوز نطاق الاختصاص.
ومن بين أهم الالتزامات أيضاً، تعزيز التعاون وتبادل الخبرات بين الكوادر الطبية بما يخدم مصلحة المرضى، والامتناع عن استغلال حاجة المريض لتحقيق منافع شخصية، أو الإساءة إلى الزملاء في المهنة. كما يجب على الطبيب حسن معاملة المرضى، والاستعانة بالمتخصصين عند الحاجة، والاستجابة الفورية في حالات الطوارئ والكوارث حتى خارج أوقات العمل الرسمية.
ويُضاف إلى ذلك ضرورة توثيق الحالة الصحية للمريض وسيرته المرضية بدقة، واستخدام الوسائل التشخيصية والعلاجية المناسبة وفق الضوابط الفنية، مع الالتزام بالدقة في نقل المعلومات الطبية سواء للمريض أو للجمهور.
وأخيراً، لا يجوز للطبيب الامتناع عن علاج أي مريض أو تقديم المساعدة له، إلا إذا كانت الحالة خارج نطاق اختصاصه أو وُجدت مبررات جدية ومعقولة لذلك، على أن يلتزم في هذه الحالة بإحالة المريض إلى الجهة أو المختص المناسب. ومع ذلك، يُستثنى من هذا الحكم الحالات الطارئة، حيث يلتزم الطبيب بتقديم الإسعافات الأولية والرعاية اللازمة إلى حين التأكد من وجود مختصين قادرين على متابعة الحالة.
وفي الختام، يتضح أن التشريعات المنظمة للمجال الطبي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق المرضى وضمان أداء مهني مسؤول من قبل مقدمي الرعاية الصحية، بما يعزز الثقة في المنظومة الصحية ويكفل تقديم خدمات طبية آمنة وفعالة.





