الديوانية في الكويت والخليج: تراث متجدد عبر الأجيال

بقلم الشيخه / سهيلة فهد الصباح
في إطار تعزيز التواصل الثقافي والدبلوماسي، أقامت الشيخة سهيلة فهد الصباح، مديرة تحرير صحيفة التايمز الكويتية، ديوانية نسائية خاصة بمناسبة شهر رمضان المبارك. وقد شهدت الديوانية حضورًا واسعًا من سيدات السلك الدبلوماسي، حيث استمتعن بتجربة الديوانية الكويتية الأصيلة في أجواء تجمع بين التراث والحداثة. ولطالما كانت الديوانيات ملتقىً يهيمن عليه الرجال، حيث تناقش فيها القضايا المحلية، والمستجدات السياسية، والشؤون الاجتماعية. وتُعدّ الديوانية ركنًا أساسيًا من أركان الحياة الاجتماعية في الكويت، إذ تُعزز الروابط المجتمعية، وتُسهم في تبادل الآراء، وتسهل الحوار بين مختلف الفئات. إلا أن العقود الأخيرة شهدت تغيرًا في هذا التقليد، حيث بدأت النساء الكويتيات في إنشاء ديوانيات خاصة بهن، ما أتاح لهن فضاءً للحوار والتفاعل والمشاركة في مناقشة القضايا المجتمعية والثقافية والاقتصادية. وتُوفر هذه الديوانيات بيئة داعمة للمرأة، تُمكّنها من التواصل مع نظيراتها، وتبادل المعرفة والخبرات، وتعزيز دورها في التنمية المجتمعية.
وقد لاقت ديوانية الشيخة سهيلة فهد الصباح استحسانًا واسعًا من الدبلوماسيات، سواء سفيرات الدول المعتمدة لدى الكويت أو زوجات السفراء الحاضرات، اللواتي رحّبن بهذه الفرصة لتعزيز التبادل الثقافي والتواصل بين الثقافات المختلفة. وقد جمعت الديوانية سيدات من خلفيات متنوعة، حيث تبادلن تجاربهن ووجهات نظرهن حول القضايا الدولية والمجتمعية، مما أغنى المعرفة الجماعية، وعزز روح الوحدة والتضامن بين الحاضرات. كما شكلت الديوانية فرصة لتعريف الضيفات على العادات الكويتية الرمضانية، حيث تم تقديم المأكولات التقليدية الكويتية، وسط أجواء تسودها الألفة والكرم العربي الأصيل. ولم تقتصر المناقشات على الجوانب الثقافية، بل شملت موضوعات ذات أهمية مثل تمكين المرأة، والدور المتنامي للمرأة في المجالين السياسي والدبلوماسي، وأهمية تعزيز الحوار بين الشعوب.
وتعكس ديوانية الشيخة سهيلة فهد الصباح التطور المستمر للديوانيات النسائية في الكويت، حيث لم تعد مجرد تجمعات اجتماعية، بل أصبحت منابر حوارية تناقش قضايا مهمة، وتفتح آفاقًا جديدة لتعزيز التعاون بين النساء في مختلف المجالات. كما تؤكد هذه التجربة على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في تعزيز التفاهم بين الثقافات والشعوب، وإثراء الحوار المجتمعي من منظور جديد. كما إن استمرار مثل هذه المبادرات يعزز من مكانة المرأة الكويتية والعربية في المجالات الثقافية والدبلوماسية، ويفتح الباب أمام المزيد من التفاعل المثمر بين مختلف المجتمعات، مما يرسّخ مكانة الديوانية كإرث ثقافي حيّ يتطور مع الزمن، ويحافظ على هويته الأصيلة في آنٍ واحد. وتمثل الديوانية موروثًا ثقافيًا عريقًا يمتد عبر الأجيال، وجزءًا أصيلًا من التراث الخليجي، فهي ليست مجرد مكان للقاء، بل مؤسسة اجتماعية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي السياسي والاقتصادي والثقافي في الكويت ودول الخليج العربي. كانت الديوانيات وما زالت رمزًا للتواصل الاجتماعي، حيث تُسهم في تعزيز الروابط بين الأفراد والعائلات، وتُشكل فضاءً للحوار المفتوح بين جميع أطياف المجتمع.
وتُعتبر الديوانية أو (الدوانية) من أقدم وأهم التقاليد الاجتماعية في الكويت ومنطقة الخليج، وهي مكان يجتمع فيه الرجال لتبادل الحديث ومناقشة الأمور اليومية والسياسية والاقتصادية، وغالباً ما تكون في منزل أحد أفراد الأسرة. وتعود بدايات الديوانية في الكويت والخليج إلى القرن الثامن عشر (1700م تقريباً)، مع بدايات الاستقرار والتحضر في المنطقة. وفي الكويت تحديداً، ارتبطت نشأة الديوانية ببداية استقرار العائلات الكويتية وتطور النشاط التجاري والبحري، حيث كانت الديوانيات مقراً لتبادل الأخبار التجارية والسياسية. ومن أوائل وأشهر الأسر التي عُرفت بإقامة الديوانيات(أسرة آل الصقر، وأسرة آل النصف، وأسرة آل الخرافي، وأسرة آل الرشيد، وأسرة آل العدساني، وأسرة آل الزاحم، وأسرة آل البدر)، وبعض هذه الديوانيات كانت سياسية أو تجارية أو ثقافية الطابع، وكان لها دور كبير في التأثير على المجتمع الكويتي والخليجي. وكانت هذه الديوانيات بمثابة ملتقى لأفراد المجتمع لمناقشة القضايا المهمة، وتبادل الأخبار، وعقد الاتفاقات التجارية. وفي بداياتها، كانت الديوانية عبارة عن مجلس بسيط في بيت أحد وجهاء القبيلة أو العائلة، يجتمع فيه الرجال مساءً للحديث في شؤون الحياة، وكان لها دور بارز في حل النزاعات وتعزيز القيم الاجتماعية مثل الكرم والشهامة والتكاتف. ومع تطور الزمن، لم تعد الديوانيات مجرد تجمعات تقليدية، بل أصبحت مراكز لصنع القرار، خصوصًا في الكويت، حيث ساهمت في الحراك السياسي والاقتصادي، وكانت ملتقى للنخبة والمسؤولين لمناقشة قضايا الوطن. كما أنها شكلت منبرًا مفتوحًا للحوار الوطني، حيث ناقش فيها المواطنون مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم البلاد. ومع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها دول الخليج، تطورت الديوانيات من مجرد مجالس تقليدية إلى مجالس باتت تستضيف شخصيات سياسية واقتصادية مؤثرة، وأصبحت منبرًا للنقاشات حول القضايا الاجتماعية والتنموية. كما أن العديد من رجال الأعمال والقيادات المجتمعية أصبحوا ينظمون ديوانيات دورية لمناقشة أحدث المستجدات الاقتصادية وتبادل الخبرات حول المشاريع والاستثمارات، مما جعل الديوانيات تلعب دورًا حيويًا في دعم التنمية الاقتصادية. ولم يعد مفهوم الديوانية حكرًا على الرجال، فمع تغير الأدوار الاجتماعية، ظهرت “ديوانيات سيدات المجتمع”، وهي مجالس تجمع النساء لمناقشة مختلف القضايا، وبحث سبل تمكين المرأة في مختلف المجالات.
وقد بدأت هذه الديوانيات تأخذ مكانتها في المجتمع الخليجي، حيث تستضيف سيدات بارزات من مختلف القطاعات، وتعقد ندوات ولقاءات تثقيفية تهدف إلى تعزيز دور المرأة في التنمية، سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي. كما أن هذه الديوانيات أصبحت منبر لمناقشة قضايا المرأة، حيث يطرح فيها المبادرات الداعمة لمشاركة المرأة في بناء المجتمع.. ورغم التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لا تزال الديوانيات تحتفظ بمكانتها، لكنها أصبحت أكثر حداثة، حيث يتم تنظيمها بأسلوب عصري. كما أن بعض الديوانيات باتت تعتمد البث المباشر لجلساتها، مما يعكس التطور الذي شهده هذا الإرث الثقافي العريق. إضافةً إلى ذلك، ساعدت التكنولوجيا في توسيع نطاق الحضور، حيث باتت هناك ديوانيات إلكترونية تجمع المشاركين من مختلف الدول عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما أضفى بعدًا عالميًا لهذا التقليد الخليجي العريق. والديوانية في الكويت والخليج ليست مجرد مكان للجلوس والتسامر، بل هي قلب المجتمع النابض، حيث تُبنى العلاقات الاجتماعية. وبينما تحافظ على أصالتها، فإنها تتطور لتواكب العصر، مؤكدة أنها ستبقى جزءًا لا يتجزأ من هوية الخليج وثقافته، وستظل فضاءً للحوار والتفاعل والتأثير في مختلف جوانب الحياة. وإلى جانب دورها الاجتماعي والسياسي، لعبت الديوانيات دورًا بارزًا في نشر الثقافة والتعليم بين أفراد المجتمع. فقد كانت على مدار العقود الماضية ملتقى للعلماء والمفكرين والأدباء، حيث يتم تبادل الأفكار والنقاش حول مختلف القضايا الفكرية والأدبية.
وفي العصر الحديث، بدأت بعض الديوانيات في تنظيم محاضرات وندوات تثقيفية تستضيف فيها مختصين في مجالات متنوعة، بهدف توعية المجتمع وتثقيفه. كما أصبحت بعض الديوانيات منصة لدعم الشباب الطموح، حيث تقدم لهم الاستشارات والتوجيه في مجالات الدراسة والعمل، مما يعزز من دورها كحاضنة للأفكار والمواهب.
ولطالما كانت الديوانيات مقرًا لمناقشة المبادرات الإنسانية ودعم المشاريع الخيرية، حيث يجتمع فيها رجال الأعمال والمحسنون للتخطيط للمساهمات الاجتماعية والخيرية. فالكثير من المشاريع الخيرية الناجحة في الكويت ودول الخليج بدأت من داخل ديوانية، سواء كانت حملات لدعم الأسر المحتاجة، أو مبادرات تعليمية، أو مشاريع صحية تهدف إلى تحسين حياة الفئات الأقل حظًا. كما ساعدت الديوانيات في توحيد جهود المتطوعين وتنظيم حملات الإغاثة أثناء الأزمات والكوارث، مما جعلها تلعب دورًا محوريًا في تعزيز قيم التكافل الاجتماعي والتعاون بين أفراد المجتمع. وعلى مر العصور، شكلت الديوانيات بيئة حرة للنقاش السياسي، حيث كانت تُطرح فيها القضايا الوطنية، ويتم تبادل وجهات النظر حول الأحداث السياسية المحلية والدولية. في الكويت على وجه الخصوص، كانت الديوانيات جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي، حيث يجتمع فيها الناخبون مع المرشحين لمجلس الأمة لمناقشة برامجهم الانتخابية وطرح الأسئلة حول رؤيتهم المستقبلية.
واليوم، لا تزال الديوانيات تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الوعي السياسي بين المواطنين، حيث تساهم في نشر الثقافة الديمقراطية، وتشجع الحوار المفتوح حول مختلف القضايا. ومع التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، تواجه الديوانيات تحديات جديدة تتمثل في كيفية الحفاظ على هويتها التقليدية مع مواكبة تطورات العصر. فمن جهة، تسعى بعض العائلات والقبائل إلى الإبقاء على الطابع التقليدي للديوانيات، بما يعكس قيم الماضي وأصالته، ومن جهة أخرى، هناك توجه نحو تحديث هذه المجالس من خلال إدخال تقنيات حديثة مثل الشاشات التفاعلية، والمنتديات الرقمية، والبث المباشر لجلساتها عبر الإنترنت. وبينما تستمر الديوانيات في التطور، يظل جوهرها قائمًا على تعزيز الحوار الاجتماعي، والتواصل بين الأجيال، وحفظ العادات والتقاليد التي تشكل جزءًا أساسيًا من هوية الخليج العربي.





