أعمدةطارق يوسف الشميمري

ماذا بعد قرار محكمة العدل الدوليه بشأن غزة

بقلم : طارق يوسف الشميمري

بـــعد أســـبوعـــين مـــن قـــرار مـــحكمة الـــعدل الـــدولـــية ، هـــل تـــلتزم إســـرائـــيل بــأوامــر المــحكمة ، وبــعد أن أمــرت مــحكمة الــعدل الــدولــية إســرائــيل بــمنع أعــمال الإبــادة الجــماعــية الــتي أدت هجــماتــها إلــى مــقتل مــئات آخــريــن مــن الأشــخاص فــي غــزة ، وفــي الــقرار المؤقــت أمــرت المــحكمة إســرائــيل بالالتزام بستة إجراءات مؤقتة :-

وشــــملت هــــذه الالــــتزامــــات مــــنع أعــــمال الإبــــادة الجــــماعــــية، والــــتصدي للتحــريــض المــباشــر والــعلني عــلى الإبــادة الجــماعــية، وضــمان تــوفــير الخــدمــات الأســاســية والمــساعــدات الإنــسانــية لــلمدنــيين فــي غــزة عــلاوة عـلى ذلـك أمـرت المـحكمة إسـرائـيل بحـمايـة أدلـة الإبـادة الجـماعـية وتـقديـم تــقريــر إلــى مــحكمة الــعدل الــدولــية فــي غــضون شهــر، يــتضمن تــفاصــيل امتثالها لهذه الأوامر.

ومــــع ذلــــك أكــــدت وزيــــرة خــــارجــــية جــــنوب أفــــريــــقيا، نــــالــــيدي بــــانــــدور، الأسـبوع المـاضـي أن إسـرائـيل لـم تـلتزم بـالـحكم، زاعـمة أن مـئات المـدنـيين الآخرين في غزة قتلوا في الأيام الفاصلة.

والسؤال الـــذي يـــطرح نـــفسه مـــا هـــي الإجـــراءات إن وجـــدت، الـــتي اتخـــذتـــها إســـرائـــيل لـــتنفيذ تـــوجـــيهات مـــحكمة الـــعدل الدولية حتى هذه اللحظة؟

هل اتخذت إسرائيل إجراءات لمنع أعمال الإبادة الجماعية؟

فـفي الأسـبوع الـذي أعـقب حـكم مـحكمة الـعدل الـدولـية، هـناك أدلـة عـلى أن الـــقوات الإســـرائـــيلية لـــم تتخـــذ إجـــراءات فـــعالـــة لمـــنع أعـــمال الإبـــادة الجـماعـية واسـتمرت بـالـهجوم الـعسكري فـي غـزة مـما أدى إلـى سـقوط مـا يـقرب مـن 2000 ضـحية فلسـطينية إضـافـية مـنذ قـرار المـحكمة فـي 26 يناير2024 ( المصدر وزارة الصحة في غزة).

وأعـربـت وزيـرة خـارجـية جـنوب أفـريـقيا نـالـيدي بـانـدور عـن قـلقها، قـائـلة فــي الأســبوع المــاضــي إن الــعمليات الــعسكريــة الــجاريــة تــشير إلــى أن إسـرائـيل تـعتقد أن لـديـها الحـريـة فـي الـتصرف دون ضـبط الـنفس وعـلى الـرغـم مـن الأوامـر المحـددة الـصادرة عـن مـحكمة الـعدل الـدولـية، ولا تـزال المسـتشفيات فـي غـزة مسـتهدفـة بـالهجـمات الإسـرائـيلية مـما يؤدي إلـى تفاقم الضغط على نظام الرعاية الصحية المنهار بالفعل في المنطقة.

والجــــديــــر بــــالــــذكــــر أن مــــخيم الــــنصيرات لــــلاجــــئين والمــــناطق المــــحيطة بمسـتشفى نـاصـر فـي خـان يـونـس تـعرض لهجـمات هـذا الأسـبوع وكـان مســتشفى الأمــل فــي خــان يــونــس الــواقــع تــحت حــصار دام 11 يــومًــا،

حـيث أفـادت جـمعية الهـلال الأحـمر الفلسـطيني أن الـقوات الإسـرائـيلية اقتحــــمت المســــتشفى لــــلمرة الــــثالــــثة يــــوم الخــــميس المــــاضــــي وأنــــكرت إسـرائـيل هـذه الادعـاءات حـيث صـرح متحـدث عـسكري أنـه لـم يـكن هـناك أي اقــــتحام أو دخــــول أو أوامــــر لأشــــخاص بــــمغادرة المســــتشفى تــــحت تهديد السلاح.

وتـــــشير الـــــتقاريـــــر المـــــتضاربـــــة بـــــشأن إمـــــكانـــــية امـــــتثال إســـــرائـــــيل لـتوجـيهات مـحكمة الـعدل الـدولـية والـتأثـير المسـتمر عـلى حـياة المـدنـيين ومرافق الرعاية الصحية في غزة.

هـل اتخـذت إسـرائـيل خـطوات مـثيرة للجـدل مـنذ صـدور حـكم محكمة العدل الدولية؟

فـفي الأسـبوع المـاضـي، أوضـح وزيـر الـدفـاع الإسـرائـيلي يـوآف غـالانـت أن إســـرائـــيل لا تـــنوي وقـــف عـــمليتها الـــعسكريـــة فـــي غـــزة فـــي أي وقـــت قــريــب. وكــان غــالانــت واحــداً مــن ثــلاثــة مسؤولــين إســرائــيليين انــتقدتــهم مــــحكمة الــــعدل الــــدولــــية شــــخصياً بســــبب الــــتعليقات الــــتي أدلــــوا بــــها والـــــتي يـــــمكن اعـــــتبارهـــــا تحـــــريـــــضاً عـــــلى الإبـــــادة الجـــــماعـــــية ضـــــد الفلسطينيين.

وقـال جـالانـت فـي مؤتـمر صـحفي إن الـعملية الـعسكريـة الإسـرائـيلية فـي خــان يــونــس، والــتي بــدأتــها الأســبوع المــاضــي كــانــت نــاجــحة مــما مهــد الـــطريق أمـــام قـــواتـــها لـــلتقدم الآن نـــحو رفـــح عـــلى الحـــدود الـــجنوبـــية للجانب مع مصر.

وقـال جـالانـت: “إنـنا نحقق مـهمتنا فـي خـان يـونـس وسـنصل أيـض ً ا إلـى رفح ونقضي على العناصر الإرهابية التي تهددنا”

تمتلئ رفــح بــالفلســطينيين الــنازحــين داخــلياً، الــذيــن لا يجــدون أمــاكــن لـلذهـاب إلـيها داخـل قـطاع غـزة. وقـال يـأنـس لـيركـا ، المتحـدث بـاسـم مـكتب تنسيق الشؤون الإنـــــسانـــــية، يـــــوم الجـــــمعة 9 فـــــبرايـــــر 2024 إن “آلاف الفلســـطينيين واصـــلوا الـــفرار إلـــى الـــجنوب، الـــذي يســـتضيف بـــالـــفعل أكــثر مــن نــصف الــسكان الــبالــغ عــددهــم حــوالــي 2.3 مــليون شــخص”.

ومــن غــير الــواضــح إلــى أيــن تــنوي إســرائــيل أن يــنتقل ســكان غــزة، إذا أصبحت رفح المركز الجديد لهجماتها.

هـل عـاقـبت إسـرائـيل أحـداً بسـبب تـصريـحاتـه المـتعلقة بـالإبـادة الجماعية؟

حـــتى الآن لا تـــوجـــد مـــعلومـــات عـــامـــة تـــشير إلـــى أن إســـرائـــيل اتخـــذت إجــراءات عــقابــية ضــد الــوزراء أو المسؤولــين الــذيــن أدلــوا بــتصريــحات تحـرض عـلى الإبـادة الجـماعـية وإن خـطاب الإبـادة الجـماعـية الـذي تـم تسـليط الـضوء عـليه فـي قـضية جـنوب أفـريـقيا ضـد إسـرائـيل، يـتضمن تــصريــحات لــشخصيات مــختلفة بــما فــي ذلــك رئــيس الــوزراء بــنيامــين نــــتنياهــــو ونــــائــــب رئــــيس الكنيســــت نــــسيم فــــاتــــوري، ووزيــــر الــــتراث عميخاي إلياهو، من بين آخرين.

وهـــــــذه الـــــــتصريـــــــحات الـــــــتي تـــــــعرضـــــــت لانـــــــتقادات بســـــــبب تجـــــــريـــــــد الفلســـطينيين مـــن إنـــسانـــيتهم والتحـــريـــض عـــلى الـــعنف لا تـــزال دون مــعالــجة مــن قــبل الســلطات الإســرائــيلية عــلاوة عــلى ذلــك، حــضر بــعض وزراء الــحكومــة الاســرائــيلية مــثل وزيــر الأمــن الــقومــي إيــتمار بــن غــفير ووزيــر المــالــية بتســلئيل ســموتــريــتش، فــعالــيات تــدعــو إلــى إعــادة بــناء المسـتوطـنات فـي غـزة وإنـشاء المـزيـد فـي الـضفة الـغربـية المـحتلة، وهـو المــــوقــــف الــــذي تــــعرض لــــلانــــتقاد بــــاعــــتباره تــــأيــــيدًا لــــلتطهير الــــعرقــــي للفلسطينيين. .

تـــنص المـــادة الـــرابـــعة مـــن اتـــفاقـــية مـــنع جـــريـــمة الإبـــادة الجـــماعـــية والمــعاقــبة عــليها عــلى أنــه يــعاقــب الأشــخاص الــذيــن يــرتــكبون جــريــمة الإبـادة الجـماعـية أو أي مـن الأفـعال الأخـرى المـذكـورة فـي المـادة الـثالـثة، سـواء كـانـوا حـكامًـا مسؤولـين دسـتوريًـا أو مـوظـفين عـمومـيين أو أفـرادًا عاديين.

هـــــل اتخـــــذت إســـــرائـــــيل خـــــطوات لـــــضمان وصـــــول المـــــساعـــــدات الإنسانية إلى غزة؟

لا تــشير المــعلومــات المــتوفــرة إلــى أن إســرائــيل اتخــذت خــطوات فــعالــة لــــضمان تــــدفق المــــساعــــدات الإنــــسانــــية إلــــى غــــزة دون عــــوائق ، ومــــنذ ديــسمبر 2023 واجهــت شــاحــنات المــساعــدات والــوقــود عــقبات بســبب الـحصار الإسـرائـيلي والـقصف المسـتمر لـلقطاع ، وأمـرت مـحكمة الـعدل الــدولــية إســرائــيل بــتنفيذ تــدابــير مؤقــتة لــتقديــم الخــدمــات الأســاســية والمساعدات الإنسانية، لكن التحديات لا تزال قائمة.

عـــلاوة عـــلى ذلـــك، اتـــهمت إســـرائـــيل 12 مـــن مـــوظـــفي الأونـــروا بـــالـــتورط المــباشــر فــي هــجوم حــماس فــي 7 أكــتوبــر 2023 ، وفــي وقــت لاحق قــام المــانــحون الــرئــيسيون بــما فــي ذلــك الــولايــات المتحــدة والمــملكة المتحــدة وألمـانـيا بتعليق تـمويـلهم لـلأونـروا، وقـد أثـار هـذا الـتطور مـخاوف بـشأن قـدرة الأونـروا عـلى مـواصـلة تـقديـم الخـدمـات الأسـاسـية فـي غـزة مـما قـد يؤدي إلى أزمة إنسانية.

هــل مــن المــمكن فــرض عــقوبــات عــلى إســرائــيل لــعدم امــتثالــها لأوامر محكمة العدل الدولية؟

قـرارات مـحكمة الـعدل الـدولـية مـلزمـة قـانـونـا لإسـرائـيل ، وفـي حـالـة عـدم الامـتثال يـمكن لأي عـضو فـي مجـلس الأمـن الـتابـع لـلأمـم المتحـدة عـرض الــقضية عــلى المجــلس، الــذي قــد يــصوت بــعد ذلــك عــلى إجــبار إســرائــيل على الالتزام بالإجراءات المؤقتة.

تــشمل الــعواقــب المــحتملة لــعدم الامــتثال عــقوبــات الأمــم المتحــدة، مــثل الــتدابــير الاقــتصاديــة/الــتجاريــة وحــظر الأســلحة وحــظر الــسفر، بــل إن مجـلس الأمـن لـديـه سـلطة الـتدخـل بـالـقوة عـلى الـرغـم مـن أن أي عـقوبـات يــمكن أن تــخضع لحق الــنقض الأمــريــكي بســبب تــحالــفها الــوثيق مــع إســرائــيل ، ويــشير نــيف جــوردون أســتاذ الــقانــون الــدولــي، إلــى أن قــرار مجلس الأمن قد يحمل وزناً مختلفاً عن قرار محكمة العدل الدولية.

وتـصر إسـرائـيل عـلى أن أفـعالـها هـي دفـاع عـن الـنفس ضـد حـماس، فـي حـين تـشير تـقاريـر الـضحايـا الـصادرة عـن وزارة الـصحة فـي غـزة إلـى أن غالبية الضحايا هم من النساء والأطفال.

تـنص المـادة 27 مـن مـيثاق الأمـم المتحـدة بـشأن حق الـنقض عـلى أن واضـعي مـيثاق الأمـم المتحـدة تـصوروا أن خـمس دول – الـصين، فـرنـسا، اتـــحاد الجـــمهوريـــات الاشـــتراكـــية الـــسوفـــياتـــية الاتـــحاد (روسيا).

إن المــــملكة المتحــــدة والــــولايــــات المتحــــدة – بســــبب أدوارهــــما الــــرئــــيسية فــــي إنــــشاء الأمــــم المتحـدة، سـوف تسـتمران فـي لـعب أدوار مـهمة فـي صـون السـلام والأمـن الـــدولـــيين. وقـــد مُـــنحوا الـــوضـــع الـــخاص لـــلدول الأعـــضاء الـــدائـــمة فـــي مجـــلس الأمـــن.

إلـــى جـــانـــب قـــوة تـــصويـــت خـــاصـــة تُـــعرف بـــاســـم “حق الــــنقض”. واتفق واضــــعو مشــــروع الــــقرار عــــلى أنــــه إذا أدلــــى أي مــــن الأعـضاء الخـمسة الـدائـمين بـصوت سـلبي فـي مجـلس الأمـن المؤلـف مـن 15 عضوا، فلن تتم الموافقة على القرار أو المقرر.

*طــــارق يــــوســــف الــــشميمري، شــــغل مــــنصب مســــتشار ورئــــيس الــــلجنة المــــالــــية ورئــيس لــجنة المــيزانــية الــعامــة فــي مــحكمة الــتحكيم الــدائــمة فــي لاهــاي (PCA) ومــراقــب فــي المجــلس الإداري ومــحكمة الــعدل الــدولــية ومســتشار بــسفارة دولــة الكويت في هولندا خلال هذه الفترة من 2013 إلى 2020.

البريد الإلكتروني: tareq@alshumaimry.com

زر الذهاب إلى الأعلى