تهدف محادثات الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي إلى تعزيز المصالح المشتركة ومعالجة التحديات العالمية

بقلم طارق يوسف الشميمري
الأمين العام السابق لمركز التحكيم التجاري لمجلس التعاون الخليجي
إنّ تضافر التحديات الناجمة عن الصراعات المستمرة، والانقسامات الجيوسياسية، والاضطرابات الاقتصادية، والتنمية غير المستدامة، بالإضافة إلى التداعيات المؤثرة في تغير المناخ والنزوح البشري الجماعي، جعل التعاون والتنسيق والتعددية العالمية ليس خيارًا، بل ضرورةً ملحةً في عصرنا.
كانت الحاجة إلى مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة والاستجابة لها جميعاً هي الدافع وراء تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام ١٩٨١.
وبتوقيع ميثاق مجلس التعاون الخليجي، أكد قادة دول المجلس الست آنذاك على ضرورة الوحدة والتنسيق والتكامل بين الدول الأعضاء في جميع المجالات بناءً على أهدافها المشتركة وهوياتها السياسية والثقافية المتشابهة.
كما أن الضرورات الأمنية والاقتصادية في أعقاب الحرب العالمية الثانية هي التي أدت إلى ظهور منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحقيق الأمن بين الحكومات عام ١٩٤٩، والمجموعة الاقتصادية الأوروبية عام ١٩٥٧، ومعاهدة ماستريخت لعام ١٩٩٢والتي شكلت أساس الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية، وقد غذتها الحاجة إلى التماسك والاستقرار في أوروبا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق.
كان الاتحاد الأوروبي بصيغته الحاليه أول من سعى إلى التكامل والتناغم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين دوله الأعضاء المتزايدة العدد.
أما مجلس التعاون الخليجي، على مدى ٤٤ عامًا من انجازاته فقد سعي لتحقيق أهداف مماثلة تهدف إلى تعزيز اندماجه في كيان واحد آمن وسياسي واجتماعي واقتصادي.
في عام ١٩٨٩، وقّع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة الاقتصادية الأوروبية(EEC) – السلف المباشر للاتحاد الأوروبي – اتفاقية تعاون، تطورت بمرور الوقت لتشمل اجتماعات وزارية منتظمة وحوارات سياسية بين الجانبين حول قضايا متنوعة، بما في ذلك التحديات العالمية المشتركة، والتعاون الاقتصادي، والتنمية المستدامة، وتغير المناخ، والأمن، والمبادرات على المستوى الشعبي.

ولتعزيز تعاونهما، وضع الاتحاد الأوروبي في مايو ٢٠٢٢ خارطة طريق تنظيمية لتطوير شراكة استراتيجية مع مجلس التعاون الخليجي. وكجزء من هذه الخارطة، واستجابةً للحاجة الملحة المتزايدة إلى نهج متعدد الأطراف لمعالجة قضايا السلام والأمن العالميين، والازدهار الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، اجتمع قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في بروكسل، بلجيكا، لحضور القمة الأولى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في أكتوبر ٢٠٢٤، تحت شعار “الشراكة الاستراتيجية من أجل السلام والازدهار“.
في بيان مشترك صدر في ختام القمة، أكد قادة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي رغبة الكتلتين في بناء شراكتهما الاستراتيجية، القائمة على الاحترام والثقة المتبادلين، لما فيه خير شعوب المنطقتين وخارجهما. وأشار البيان إلى أن الشراكة ترتكز على النظام الدولي القائم على القواعد، والذي يحترم القانون الدولي احترامًا كاملًا، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الإنساني الدولي، وتعزيز وحماية حقوق الإنسان العالمية.
واتفق الجانبان على العمل معًا لتعزيز الأمن والازدهار العالميين والإقليميين، بما في ذلك منع نشوب الصراعات وتصاعدها، وحل الأزمات بالإضافة إلى ذلك، أقرّا بضرورة تعزيز الأطر متعددة الأطراف والإقليمية والثنائية بهدف تعزيز التعاون بشكل أكبر. كما دعا البيان إلى عقد قمة كل عامين، واتفق على عقد القمة القادمة في المملكة العربية السعودية عام ٢٠٢٦، وتنظيم الاجتماع الوزاري التاسع والعشرين للمجلس المشترك في الكويت عام ٢٠٢٥.
بعد مرور عام على ذلك، وتماشيًا مع بيان قمة بروكسل، من المقرر أن تستضيف دولة الكويت، التي تتولى حاليًا الرئاسة الدورية لمجلس التعاون الخليجي، الاجتماع الوزاري التاسع والعشرين للمجلس المشترك بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي يوم الاثنين الموافق ٦ أكتوبر في مدينة الكويت. وقبل انعقاد الاجتماع، دأبت أمانة مجلس التعاون الخليجي والمكتب الإقليمي للاتحاد الأوروبي في الخليج على تنسيق الجهود، ومراجعة نتائج القمة السابقة، ووضع خطط لمواجهة التحديات الاستراتيجية المشتركة.
يُعتبر الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، من نواحٍ عديدة، كتلتين متباينتين تمامًا. مع أكثر من 448 مليون نسمة موزعين على مساحة أربعة ملايين كيلومتر مربع، واقتصاد من بين الأكبر في العالم بقيمة 17 تريليون دولار أميركي، ولكون الاتحاد الأوروبي يزيد بعدد السكان بفارق كبير عن دول مجلس التعاون الخليجي البالغه تقريبا 61 مليون نسمة ويعيشون على مساحة أقل من 2.6 مليون كيلومتر مربع ويبلغ حجم اقتصادها المشترك نحو 2 تريليون دولار.
بغض النظر عن هذه التباينات، لعب مجلس التعاون الخليجي على مر السنين دورًا محوريًا متزايد الأهمية في الشؤون العالمية، ويتجلى ذلك جزئيًا في قربه الاستراتيجي من المناطق المتقلبة جيوسياسيًا والممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية. كما شكّلت الموارد الهيدروكربونية الهائلة في المنطقة، والنفوذ الذي تتمتع به صناديق الثروة السيادية الضخمة، عوامل مؤثرة في تخفيف حدة النزاعات ومعالجة الأزمات إقليميًا ودوليًا. كما ساهمت مساهماته الكبيرة في المساعدات الإنسانية والتنموية العالمية في دعم المنطقة.
ومع ذلك، تواجه آفاق المنطقة وطموحاتها العديد من التحديات، بما في ذلك التداعيات الجيوسياسية، وعدم الاستقرار الاقتصادي المرتبط بأسعار الطاقة، والتحول العالمي المتزايد نحو الطاقة المتجددة، والبطء العام في وتيرة التنويع الاقتصادي والإصلاحات الاجتماعية والمالية والسياسية. ومن المرجح أن يتشكل مستقبل مجلس التعاون الخليجي من خلال التصدي الفعال لهذه التحديات، جزئيًا من خلال بناء شراكات استراتيجية مع دول وتكتلات إقليمية أخرى، بالإضافة إلى تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى كيان سياسي واقتصادي أكثر تماسكًا.
على الرغم من عدم وجود تقارب جغرافي أو ثقافي أو اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، إلا أن ما يجمعهما هو تقارب وجهات النظر حول العديد من القضايا العالمية، ومن أهمها تلك المتعلقه بالإنسانية ، ومصالح استراتيجية في إعادة تعريف علاقتهما إلى هيكل أكثر تماسكًا وتأثيرًا، قادرًا على مواجهة التحديات العالمية المتزايدة تعقيدا وتنوعا .
تشمل الموضوعات الأساسية المدرجة على جدول أعمال اجتماع المجلس المشترك القادم تعميق الشراكة الاستراتيجية من خلال تعزيز الحوار السياسي والأطر المؤسسية؛ ورصد تنفيذ البيان المشترك لقمة 2024 ، ووضع أطر زمنية وهياكل واضحة لتنفيذه، بالإضافة إلى تحديد معالم للتعاون والتقدم عبر جميع القطاعات.
فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والبيئية، قد يسعى الطرفان إلى توسيع تدفقات التجارة والاستثمار؛ واستكشاف آفاق إحياء اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي المتعثرة منذ فترة طويلة؛ ومواءمة وجهات نظرهما في المنتديات الدولية بشأن تغير المناخ وأهداف التنمية المستدامة والتقنيات الخضراء؛ والاستفادة من التحولات الرقمية والطاقة الخضراء وبناء المرونة البيئية والتعاون في مجال الطاقة النظيفة وتقنيات الكربون ودعم أمن الطاقة والغذاء، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.
على الصعيد الأمني، من المهم أن يبحث الجانبان تعزيز الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والتهديدات السبرانية والاستجابة السريعه للكوارث، وأطر الأمن الإقليمي، وتعزيز خفض التصعيد، ومعالجة النزاعات الإقليمية في أوكرانيا وغزة ولبنان، وفي العلاقات مع إيران.

سيؤكد كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي دعمهما القوي للوساطة في النزاعات، والتعددية، والنظام القائم على القواعد الذي يحترم القانون الدولي احترامًا كاملًا.
على الرغم من الأجواء الحماسية المحيطة بالمحادثات، فلا يخلو الاجتماع من تحديات، بما في ذلك التغلب على المشكلات التي تم تحديدها في ترجمة إعلانات قمة بروكسل إلى مشاريع قابلة للتنفيذ وإيجاد الميزانيات اللازمة لتنفيذها. بالإضافة إلى ذلك سيحتاج الجانبان إلى معالجة تعريفات الانبعاثات الأكثر صرامة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي بموجب آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التي تؤثر على صادرات دول مجلس التعاون الخليجي مثل الصلب والألمنيوم والبتروكيماويات.
سيحتاج الجانبان أيضًا إلى التوصل إلى توافق في الآراء، أو الاتفاق على الاختلاف، بشأن أولويات سياستهما الخارجية المتباينة. ويكتسب هذا أهمية خاصة في القضايا التي يختلف فيها الطرفان في وجهات النظر، مثل العقوبات المفروضة على روسيا بسبب صراعها في أوكرانيا، وتداعيات إعادة فرض العقوبات الأخيرة على إيران وكذلك الأمر بملف غزة وما يحدث بها من انتهاكات وخرق للقانون الدولي وكذلك اخر التطورات والتغيرات الدوليه التي تهم الطرفين .
ستشمل النقاط الشائكة الإضافية في محادثات الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي إيجاد توازن في استجاباتهما للتحولات الجيوسياسية الجارية عالميًا، وفي معالجة تركيز الاتحاد الأوروبي على حقوق الإنسان ومعايير العمل وحرية التعبير، دون المساس بسيادة دول مجلس التعاون الخليجي وحساسيتها. وسيكون مدى التزام الاجتماع الوزاري بهذه المعايير دون الإضرار بالتعاون الأوسع مؤشرًا رئيسيًا على نجاح المحادثات المقبلة في الكويت.
لقد أثبتت الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي خطأ المنتقدين المشككين في النتائج العملية الناجمة عن تكامل أوثق بين الكتلتين. لقد سهّل التعاون والشراكة بين الكتلتين على مر السنين إطلاق مبادرات إنسانية مشتركة حول العالم، وتعزيز المصالح المشتركة، وساهم بشكل كبير في مواجهة مختلف التحديات العالمية. ولا شك في أن الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي قادرة على تحقيق المزيد في المستقبل.





