الشيخه سهيله فهد الصباح

الذكرى ال ٣٥ للغزو العراقي لدولة الكويت : الكويت تُعلّم الأجيال دروس البطولة والصمود

بقلم : الشيخة / سهيلة فهد الصباح

في الثاني من أغسطس من كل عام يطلّ علينا مجدداً تاريخ محفور في ذاكرة الوطن، ذكرى الغزو العراقي الغاشم للكويت عام 1990، التي تمر هذا العام في ذكراها الخامسة والثلاثين، وسط تحولات جذرية شهدتها المنطقة، وتطور كبير في مسار العلاقات الكويتية-العراقية، التي استطاعت، رغم الألم، أن تمضي بخطى ثابتة نحو المصالحة والتعاون.

ولقد كان الغزو لحظة صادمة في التاريخ الحديث، عندما اجتاحت القوات العراقية أراضي دولة الكويت في فجر غادر، منتهكة السيادة وكرامة الإنسان وكل مواثيق القانون الدولي. لكن سرعان ما تحوّل هذا العدوان إلى شرارة أطلقت صموداً شعبياً غير مسبوق، أظهر فيه الكويتيون، نساءً ورجالاً، أروع صور البطولة، بدءًا من المقاومة المدنية والعصيان الداخلي، إلى الجهود الحثيثة التي قادتها القيادة الكويتية الشرعية في الخارج، لتحشيد الرأي العام العالمي والدبلوماسية الدولية.

كما شهدت تلك الأيام لحظات لا تُنسى، استُشهد فيها مئات المواطنين دفاعاً عن الوطن، وفي مقدمتهم رموز وطنية كالشهيد فيصل الصانع، الذي قدّم حياته رفضاً للانصياع وللاحتلال، ومبارك النوت، الذي ضحّى بنفسه دفاعاً عن الشرعية الدستورية، إلى جانب المسيرات النسائية التي كسرت جدار الخوف في وجه آلة القمع والرصاص. هي تضحيات أبت أن تُسحق تحت جغرافيا الاحتلال، بل صنعت تاريخاً جديداً للكويت.

وبعد نحو سبعة أشهر من الاحتلال، وفي يوم السادس والعشرين من فبراير عام 1991، تحررت الكويت بموجب قرار أممي وتحالف دولي غير مسبوق قادته الولايات المتحدة، عبر عملية “عاصفة الصحراء”، والتي شكّلت في ذاتها منعطفاً استراتيجياً في التوازنات العسكرية والسياسية العالمية، وساهمت في إعادة صياغة المشهد الجيوسياسي لما بعد الحرب الباردة.

ولم يكن خروج العراق من دولة الكويت نهاية القصة، بل بداية فصل جديد من التحديات؛ إذ تكبّد العراق، نتيجة ممارسات النظام البائد، عقوبات دولية قاسية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وقد استمرت تلك العقوبات سنوات طويلة، أرهقت الشعب العراقي وألقت بظلالها على الإقليم بأسره. ومع سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، بدأ عهد جديد، سعت فيه الحكومات المتعاقبة إلى طيّ صفحة الماضي وبناء علاقات ندّية تقوم على حسن الجوار.

إن ذكرى هذا العام تكتسب بعداً رمزياً مزدوجاً؛ فهي تذكّرنا من جهة بمأساة الاجتياح وما رافقه من فواجع، ومن جهة أخرى تشير إلى نضوج العلاقات الثنائية، وتجاوز الإرث العدائي، حيث بلغ التعاون بين بغداد والكويت مستويات غير مسبوقة من التنسيق، ظهرت بجلاء منذ الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء العراقي للكويت عام 2012، ومشاركة أمير الكويت الراحل في القمة العربية في بغداد في العام ذاته.

وقد باتت العلاقات اليوم نموذجاً لما يمكن أن تصنعه الإرادة السياسية الصادقة بين الشعوب، كما عبّر عن ذلك مسؤولون عراقيون، مؤكدين أن البلدين نجحا في إغلاق معظم الملفات العالقة، وأنهما يمضيان بثقة نحو شراكة إقليمية أكثر استقراراً. إلا أن هذا التقارب لم يأتِ على حساب الذاكرة الوطنية الكويتية،

بل إن الأوساط الرسمية والشعبية في البلاد تُصرّ على تخليد ذكرى الغزو، لا من باب التذكير بالألم، بل لتوريث دروس العزة والكرامة للأجيال القادمة.

ولم تكن جهود التوثيق محصورة في الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى المجتمع المدني. فقد لعبت جمعية أهالي الشهداء والأسرى والمفقودين دوراً محورياً في ترسيخ ثقافة الوفاء، من خلال إصدار مؤلفات وكتب توثيقية، والمطالبة بتسمية الشوارع بأسماء الشهداء، وإنتاج أعمال درامية وسينمائية تروي حكايات الفداء، فضلاً عن السعي لإدماج قصص الشهداء في المناهج الدراسية، كي تبقى شعلة الذاكرة متقدة في نفوس النشء.
كما لم يغب عن الجميع –ولا عن الكويتيين عامة– الدور البطولي للمرأة الكويتية خلال الغزو، حيث كانت “على الميعاد”، تشارك في المقاومة المدنية، وتقدم الشهيدات أرواحهن دفاعاً عن السيادة والشرعية أمثال الشهيد وفاء العامر و أسرار القبندي وقد تم توثيق هذه التضحيات في موسوعات عربية، تؤكد أن البطولة لم تكن حكراً على فئة دون أخرى، بل كانت ملحمة وطنية شاملة.

وإذا كان الثمن الذي دفعته دولة الكويت باهظاً، فإن ما تحقق بعدها من تماسك داخلي، وبنية دستورية راسخة، ومجتمع مدني يقظ، شكّل الدرع الحقيقي لصيانة الدولة. ولم يكن مؤتمر جدة في أكتوبر 1990، سوى تجسيد لهذه الروح الوطنية الجامعة، حين أصرّ الكويتيون على التشبث بشرعيتهم ودستورهم، باعتباره الميثاق الذي لم ولن يُفرّط فيه.

واليوم، وبعد مرور 35 عاماً على ذلك الحدث الجلل، تقف دولة الكويت بكل فخر على أرضية صلبة من الاستقرار السياسي والديمقراطي، حافظة لذاكرتها، ومُقبلة على المستقبل دون تنكر لماضيها، ولا استسلام لآلامها. فرغم أن جراح الغزو لا تزال مفتوحة في وجدان الكويتيين، إلا أن رسالتهم للعالم واضحة: السيادة لا تُشترى، والوطن لا يُنتزع، والحرية لا تُقايض.

رحم الله شهداء الوطن، وحفظ الله الكويت وشعبها من كل سوء.

زر الذهاب إلى الأعلى