أهمية استضافة المحاكم والمنظمات الدولية
يمكن للكويت أن تلعب دورا مهما في تعزيز السلام والتفاهم

بقلم / طارق يوسف الشميمري
تعد استضافة المنظمات الدولية أداة قوية للسياسة الخارجية في عالم مترابط بشكل متزايد، ولا يمكن المبالغة في دور المنظمات الدولية في البلدان المستضيفه لها.
إنه يسهل التعاون الدبلوماسي المشترك، ويشجع الحلول الدبلوماسية، ويعالج التحديات العالمية التي تتجاوز الحدود الوطنية. من خلال تعزيز التعاون والدبلوماسية، تتم معالجة العديد من التحديات العالمية مثل تغير المناخ والإرهاب والأوبئة والحروب التي يصعب على أي بلد بمفرده معالجتها بمفرده.
توفر المنظمات الدولية منصة للبلدان للتعاون وتبادل الخبرات وإيجاد أرضية مشتركة من خلال الحوار والتفاوض. يمكن للبلدان أيضا حل النزاعات سلميا من خلال المحاكم الدولية. فعلى سبيل المثال، تعمل الأمم المتحدة كمركز للدول للتعبير عن شواغلها والسعي إلى توافق الآراء والعمل من أجل تحقيق أهداف مشتركة.
تتمتع البلدان التي لديها مقر للمنظمات الدولية بميزة نسبية في السعي لتحقيق أهدافها السياسية بالإضافة إلى الاستفادة من رأس المال البشري. تجمع المنظمات الدولية المهنيين والعلماء والتكنوقراط والدبلوماسيين من خلال تنظيم أفضل رأس مال بشري من مختلف البلدان، وتعزز عمليات صنع القرار.
تعرف لاهاي، عاصمة هولندا، باسم المدينة الدولية للسلام والعدالة. إنه مركز عالمي للقانون الدولي والتحكيم وكان مكانا للبلدان للتجمع في المحاكم الدولية ومؤتمرات السلام لأكثر من قرن.
لاهاي هي موطن محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة وكذلك محكمة التحكيم الدولية الدائمة. ولاهاي هي أيضا مركز رائد للمؤتمرات الدولية بشأن السلام والعدالة الدوليين. تستضيف لاهاي ما يقرب من 38 محكمة ومنظمة دولية وإقليمية، مما يجعلها مركزا ذا أهمية كبيرة وتأثير دولي.
لعبت لاهاي دورا مهما من خلال استضافة المحاكم والهيئات القضائية الدولية، بمافي ذلك محكمة العدل الدولية، والمحكمة الدولية الدائمة للرقابة، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة اللبنانية، ومحكمة يوغوسلافيا، فضلا عن منظمات مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وبعض إدارات منظمة حلف شمال الأطلسي للأمن والتعاون في أوروبا.
وبالمثل، تعد جنيف في سويسرا واحدة من المكاتب الرئيسية الأربعة للأمم المتحدة حيث يوجد العديد من وكالات الأمم المتحدة المختلفة وجود مشترك. بعض المنظمات المرموقة مثل منظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة والصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية تعطيها دورا محوريا في شؤون هذه المنظمات أيضا.
مثال ساطع آخر هو في فيينا عاصمة جمهورية النمسا ، فيينا هي أحد المقرات الأربعة للأمم المتحدة، إلى جانب نيويورك وجنيف ونيروبي.
تم افتتاح مركز فيينا الدولي (VIC) المعروف في النمسا باسم “مدينة الأمم المتحدة”، في عام 1979 ويتم تأجيره مقابل مبلغ إيجار سنوي رمزي قدره شلن نمساوي واحد (أي ما يعادل سبعة سنتات من اليورو) للأمم المتحدة لمدة 99 عاما ويعمل حوالي 5000 موظف من أكثر من 150 دولة في المنظمات التي تتخذ من فيينا مقرا لها.
مكتب الأمم المتحدة في نيروبي (UNON)، عاصمة كينيا، هو واحد من أربعة مواقع رئيسية لمكاتب الأمم المتحدة حيث العديد من وكالات الأمم المتحدة المختلفة لها وجود مشترك وتأسست في عام 1996، وهي المقر الرسمي للأمم المتحدة في أفريقيا.
ويستضيف مكتب الأمم المتحدة في نيروبي أيضا المقر العالمي لبرنامجين: برنامج الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة).
في نوفمبر 2004، عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جلسة نادرة في نيروبي لمناقشة النزاعات المسلحة في جنوب وغرب السودان التي شكلت مرحلة من مراحل الحرب الأهلية السودانية الثانية.
أيضا جزء من أمانة الأمم المتحدة هي اللجان الاقتصادية الإقليمية في أديس أبابا وبانكوك وبيروت وجنيف وسانتياغو.
وتدعم اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ( الإسكوا ) دولها الأعضاء البالغ عددها 21 دولة في جهودها لضمان الرخاء والمساواة وذلك من خلال تحليل الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الإقليمية والوطنية في ضوء جداول أعمال الأمم المتحدة العالمية.
تزود الإسكوا ( اللجنة الاقتصادية والاجتماعيه لغربي آسيا والتي تأسست عام 1973 ( البلدان العربية بتوصيات سياسية تستند إلى تحليل شامل للحقائق والقواسم المشتركة، كما تؤكد على فوائد التكامل وتخلق منافع عامة إقليمية، بما في ذلك المعرفة والبيانات والأدوات والقدرات وتشكل اللغة المشتركة والثقافة والتطلعات المشتركة لشعوب المنطقة العربية أساسا متينا لمواجهة التحديات العابرة للحدود من خلال العمل الجماعي على جميع المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية.
يمكن لاستضافة منظمة إقليمية مثل الإسكوا أن تعزز هيبة البلد بما في ذلك بناء قدرات السكان المحليين وتحسين البنية التحتية وتبادل الثقافات والفرص التعليمية وكذلك يمكنها تطوير مجموعة من المواهب التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في ازدهار الدول المستضيفة .
من ناحية أخرى، منحت الكويت وضعا دوليا عاليا كمركز إنساني. تستضيف الكويت عددا من مقار المنظمات الدولية والإقليمية، حيث يوجد ما يقرب من 120 سفارة ومنظمة دولية في دولة الكويت، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمات الأمم المتحدة، ومعاهدة شمال الأطلسي، وحوار التعاون الآسيوي، والصندوق العربي للتنمية، ومنظمة المدن العربية.
اكتسبت الكويت سمعة طيبة ليس فقط لدورها كوسيط للسلام ولكن أيضا كدولة محايدة تتمتع بالبراعة والخبرة الدبلوماسية.
حافظت الكويت على سياسة الحوار والدبلوماسية منذ استقلالها وهي مناسبة بشكل مثالي لاستضافة المنظمات الدولية التي ستساعد في تعزيز السلام والاستقرار وكذلك في حل النزاعات وتعزيز فهم دور المنظمات الدولية والتأكيد على أهميتها.
إن وجود المنظمات الدولية داخل بلد ما لا يتعلق فقط بالهيبة ولكن أيضا بالمشاركة النشطة في الشؤون العالمية. تشكل هذه المنظمات والمحاكم الدولية سياسات وتعزز السلام وتحسن الحياة. سواء كانوا منتسبين إلى الأمم المتحدة أو البنك الدولي أو الوكالات المتخصصة، فإن وجودهم يساهم في عالم أكثر ترابطا وانسجاما.
تعمل هذه المنظمات بموجب اتفاقية فيينا التي تمكنها من القيام بواجبها دون خوف أو إكراه من قبل البلد المضيف.
التعاون يتجاوز الحدود. تعد استضافة المحاكم والمنظمات الدولية شهادة على التزام الدولة بالرفاه الجماعي واحترام القانون الدولي.
- طارق يوسف الشميمري، المستشار السابق ورئيس اللجنة المالية، ورئيس لجنة الميزانية العامة في محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي (PCA)، ومراقب في المجلس الإداري ومحكمة العدل الدولية، ومستشار في سفارة دولة الكويت في هولندا خلال هذه الفترة من 2013 إلى 2020.





